“هل ينجح ‘ميداوي’ في إنقاذ الجامعة من شيخوخة القانون؟ تحليل لمشروع 59.24 بين طموح ‘جامعة المستقبل’ وعقبات التنزيل”

في خطوة وصفت بـ “الحاسمة” لإعادة هيكلة قطاع التعليم العالي، قدم عز الدين ميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، أمس الأربعاء، عرضاً مفصلاً أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب حول مشروع القانون 59.24. هذا النص الجديد، الذي يسعى لتعويض تشريع تجاوز عمره عقدين من الزمن، يطرح نفسه كأرضية لإطلاق “جامعة المستقبل” المغربية، لكن التحدي الأكبر يظل في قدرة الوزير على تمريره وتنزيل طموحاته على أرض الواقع.
الوزير ميداوي شدد في عرضه على أن القانون يتجاوز كونه تعديلاً تقنياً، ليصبح تحولاً استراتيجياً يتماشى مع التوجيهات الملكية الكريمة، ومقتضيات الدستور، وخلاصات النموذج التنموي الجديد، الهادفة إلى بناء منظومة جامعية قادرة على المنافسة الدولية وخدمة قضايا التنمية الوطنية.
يأتي المشروع محملاً بمستجدات هيكلية جريئة تهدف إلى كسر الجمود الإداري والبيداغوجي:
- تعزيز الاستقلالية وربطها بالعقود: يرتكز القانون على مبدأ تعزيز استقلالية الجامعات مع إخضاعها لعقود أهداف ونتائج واضحة ومحددة مع الدولة، ما يضع حداً للغموض في المسؤوليات.
- إحداث مجلس الأمناء: هيئة جديدة للحكامة تهدف إلى إشراك فعاليات مختلفة من خارج الجامعة لضمان الارتباط بسوق الشغل والمتطلبات التنموية، وتعد خطوة نحو إضفاء مزيد من الشفافية على قرارات التوجيه الاستراتيجي.
- مرونة التكوين: اعتماد هندسة بيداغوجية مرنة تركز على التكوين بالتناوب، والتعلم مدى الحياة، ما يتيح للطلبة اكتساب خبرة عملية مبكرة ويسهل إعادة تأهيل الكفاءات.
- تثمين الموارد البشرية: منح رئيس الشعبة مهام جديدة أكثر تحديداً، مع إقرار آليات لتحديد “أتعابه”، وهي خطوة تهدف إلى تحفيز الكفاءات داخل هياكل التأطير.
- الانفتاح الرقمي والدولي: النص الجديد يمهد الطريق لإنشاء جامعات رقمية حقيقية وفروع لمؤسسات أجنبية مرموقة، مما يرفع من تنافسية العرض التعليمي محلياً ودولياً.
- الهوية واللغات: التأكيد على المكانة الدستورية للغتين العربية والأمازيغية، مع الانفتاح “الواسع” على اللغات الأجنبية كمتطلب أساسي للبحث العلمي والاندماج المهني.
- الأقطاب الجامعية والتقييم: استحداث آليات دقيقة لتقييم الجودة وضمانها، وفتح المجال أمام إقامة أقطاب جامعية متخصصة.
رغم الأهمية الاستراتيجية لهذا القانون، فإن نجاح الوزير “ميداوي” في تمريره وتنزيله لا يخلو من تحديات معقدة:
1. المقاومة النقابية والأكاديمية: يشكل هذا القانون نقطة تحول كبرى تمس استقلالية الأساتذة وشروط عملهم. فالمستجدات المتعلقة بتحديد مهام رؤساء الشعب، والتأطير الجديد للحكامة، قد تثير مقاومة قوية من النقابات الجامعية والهيئات الأكاديمية التي قد تعتبره مساساً بالاستقلالية التقليدية للجامعة.
2. التمويل والتنزيل: إن بناء “جامعة المستقبل” يتطلب استثمارات ضخمة، خاصة في المجال الرقمي والبحث العلمي. يبقى السؤال مطروحاً: هل الميزانية المرصودة للوزارة كافية لتمويل إحداث جامعات رقمية، وتأهيل البنيات التحتية، وتمويل عقود الأهداف بشكل فعال؟
3. التوافق السياسي: رغم أن القانون يأتي مدعوماً بمرجعيات عليا، فإن تمريره النهائي في البرلمان يتطلب توافقاً سياسياً كبيراً لتفادي “التعطيل” التشريعي، خاصة وأن بعض مواده قد تكون خلافية بخصوص علاقة الجامعة بالقطاع الخاص.
4. ثقافة الحكامة الجديدة: إحداث “مجلس الأمناء” يفرض تغيير ثقافة الحكامة داخل الجامعة. نجاح هذا الهيكل الجديد مرهون بمدى استقلالية أعضائه وقدرتهم على اتخاذ قرارات جريئة بعيداً عن التجاذبات الداخلية.
خلاصة القول، يمثل مشروع القانون 59.24 فرصة تاريخية لإخراج الجامعة المغربية من عنق الزجاجة التشريعي. الوزير ميداوي يملك رؤية واضحة تستند إلى مرجعيات قوية، لكن رهانه الحقيقي يكمن في إظهار قدرة حكومية على إقناع الفاعلين الأكاديميين بحتمية التغيير، وتوفير التمويل اللازم، لضمان ألا يبقى “تحول الجامعة” مجرد حبر على ورق، بل واقع ملموس يعيد للجامعة دورها كمحرك للتنمية والابتكار.






