ملف الأحد | عيد العرش المجيد.. جلالة الملك محمد السادس ومسار دولة تتجدد رؤيتها في عالم سريع التحول
ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
عيد العرش.. مناسبة وطنية تتجاوز الاحتفال إلى استحضار مسار الدولة
يحتل عيد العرش المجيد مكانة خاصة في الوجدان الوطني للمغاربة، باعتباره مناسبة دستورية ووطنية ترمز إلى استمرارية الدولة المغربية ووحدة مؤسساتها، كما يشكل محطة سنوية لاستحضار ما تحقق من أوراش وإصلاحات، واستشراف التحديات والرهانات المستقبلية. ومنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين في 30 يوليوز 1999، عرف المغرب مسارا اتسم بإطلاق إصلاحات ومشاريع هيكلية مست مختلف القطاعات، في سياق إقليمي ودولي عرف بدوره تحولات متسارعة.
وخلال هذه المرحلة، شهدت المملكة تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية ودبلوماسية جعلت من التجربة المغربية محل متابعة من قبل عدد من المؤسسات الدولية والفاعلين الاقتصاديين، سواء بالنظر إلى وتيرة الإصلاحات، أو إلى قدرة البلاد على الحفاظ على الاستقرار المؤسساتي في محيط إقليمي اتسم بتقلبات كبيرة.
جلالة الملك محمد السادس.. رؤية تقوم على الاستمرارية والإصلاح
تميزت السنوات الأولى من العهد الجديد بإطلاق عدد من المبادرات التي استهدفت تحديث الإدارة، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز الاستثمار، وتقوية البنيات التحتية، إلى جانب الاهتمام بقضايا التنمية البشرية والعدالة المجالية.
وفي العديد من الخطب الملكية، برزت قضايا الاستثمار في الإنسان، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحديث الإدارة، وتحقيق التنمية المستدامة، باعتبارها مرتكزات أساسية للعمل العمومي، وهو ما انعكس على عدد من البرامج والإصلاحات التي عرفتها المملكة خلال العقود الماضية.
كما عرف المغرب إصلاحات مؤسساتية مهمة، أبرزها دستور سنة 2011، الذي عزز مكانة المؤسسات المنتخبة، ووسع من مجال الحقوق والحريات، ورسخ استقلال السلطة القضائية، وكرس مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، في إطار مسار تطوير المؤسسات الدستورية.
الاقتصاد المغربي.. تنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز التنافسية
شهد الاقتصاد المغربي خلال السنوات الماضية تحولات مهمة، تمثلت في تنويع مصادر الإنتاج، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وتطوير قطاعات الصناعة والخدمات والطاقات المتجددة.
وأصبحت المملكة من أبرز المنتجين في قطاع صناعة السيارات بإفريقيا، كما تطورت صناعة الطيران، واستقطبت مناطق صناعية متخصصة استثمارات وطنية ودولية، وهو ما ساهم في خلق منظومة صناعية أكثر اندماجا مع سلاسل الإنتاج العالمية.
وفي الوقت نفسه، واصل المكتب الشريف للفوسفاط تعزيز حضوره في الأسواق الدولية، سواء في مجال إنتاج الفوسفاط أو صناعة الأسمدة، بما جعل المغرب فاعلا مهما في منظومة الأمن الغذائي العالمي.
كما شهدت المملكة توسعا في مشاريع المناطق الصناعية واللوجستية، وتشجيع الاستثمار في الرقمنة، والاقتصاد الأخضر، والابتكار، في إطار رؤية تستهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وخلق فرص الشغل.
بنيات تحتية حديثة لخدمة التنمية
من أبرز التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الماضية، التطور الكبير في البنيات التحتية، حيث توسعت شبكة الطرق السيارة والطرق السريعة، وتم تطوير عدد من الموانئ والمطارات، بما ساهم في تحسين الربط بين مختلف جهات المملكة.
ويعد ميناء طنجة المتوسط من أبرز المشاريع الاستراتيجية، إذ تحول إلى منصة لوجستية تربط المغرب بالأسواق العالمية، وساهم في تعزيز حركة التجارة والاستثمار،وهو ما شجع المملكة على تأهيل الموانىء الكبرى و خاصة ميناء الناضور المتوسطي و ميناء الداخلة الأطلسي و الذي بات وجهة دول الساحل الإفريقي.
كما شكل القطار فائق السرعة محطة مهمة في تطوير منظومة النقل، في انتظار توسع هذا المشروع نحو مدن أخرى، ضمن رؤية تهدف إلى تحسين التنقل ودعم التنمية الاقتصادية.
وتتواصل كذلك مشاريع تحديث المطارات، وتوسيع شبكات النقل الحضري، وتحسين البنيات المرتبطة بالاستعداد للتظاهرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
الطاقات المتجددة والأمن المائي.. استجابة لتحديات المستقبل
أولى المغرب اهتماما متزايدا بقضايا الانتقال الطاقي، حيث استثمر في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، ومن أبرزها مركب “نور” بورزازات، كما يعمل على تطوير مشاريع مرتبطة بالهيدروجين الأخضر.
وفي مواجهة آثار التغيرات المناخية، برزت قضية الأمن المائي كأحد أهم التحديات الوطنية، حيث تم إطلاق برامج لتسريع بناء السدود، وإنجاز محطات لتحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية، إضافة إلى مشاريع ترشيد استعمال المياه في الفلاحة والصناعة.
الدبلوماسية المغربية.. حضور متنامٍ وتنويع للشراكات
عرفت السياسة الخارجية للمملكة خلال السنوات الماضية دينامية ملحوظة، من خلال توسيع شبكة الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية، وتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ودول الخليج، وشركاء آخرين.
كما شهد ملف الصحراء المغربية تطورات مهمة على المستوى الدبلوماسي، بحيث صوتت الأمم المتحدة لقرار الحكم الذاتي في إيطار الجهوية الموسعة، مع استمرار عدد من الدول في إعلان دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها المملكة باعتبارها إطارا لتسوية النزاع، إلى جانب افتتاح عدد من القنصليات العامة في مدينتي العيون والداخلة.
وترافق هذه الدينامية مع مواصلة تنفيذ مشاريع تنموية بالأقاليم الجنوبية، تشمل البنيات التحتية، والموانئ، والطرق، والمناطق الصناعية، بما يندرج ضمن برامج التنمية الموجهة لهذه الجهات.
الإنسان في صلب السياسات العمومية
عرف المغرب إطلاق برامج اجتماعية واسعة خلال السنوات الأخيرة، من أبرزها ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يشمل توسيع التغطية الصحية والتأمين الإجباري عن المرض، إضافة إلى برامج الدعم الاجتماعي المباشر.
كما شهد قطاع الصحة إصلاحات تستهدف تعزيز العرض الصحي، وبناء وتجهيز مستشفيات جديدة، وإعادة تنظيم المنظومة الصحية، إلى جانب العمل على تكوين الموارد البشرية وتحسين الخدمات.
وفي قطاع التعليم، تتواصل الإصلاحات الرامية إلى الرفع من جودة التعلمات، وتطوير التكوين المهني، وتعزيز الرقمنة، باعتبار التعليم أحد المفاتيح الأساسية لبناء الرأسمال البشري.
وتواصل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقت سنة 2005، تمويل مشاريع اجتماعية واقتصادية تستهدف دعم الفئات الهشة، وتشجيع المبادرات المدرة للدخل، وتحسين الخدمات الأساسية في عدد من المناطق.
الرياضة.. من الإنجازات إلى استضافة التظاهرات الكبرى
شهد القطاع الرياضي بالمغرب تطورا لافتا، سواء على مستوى تطوير البنيات الرياضية أو نتائج المنتخبات الوطنية.
وكان الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني لكرة القدم في كأس العالم 2022 من أبرز المحطات الرياضية، كما تواصل المملكة استعداداتها لتنظيم كأس الأمم الإفريقية، والمشاركة في تنظيم كأس العالم 2030، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية في الملاعب، والنقل، والإيواء، والخدمات.
كما شهدت كرة القدم النسوية تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تعزيز برامج التكوين الرياضي ودعم الأكاديميات.
الاستقرار المؤسساتي ورهان التنمية
في محيط إقليمي اتسم بتحديات أمنية وسياسية واقتصادية، حافظ المغرب على استقرار مؤسساته، وهو ما اعتبره عدد من المراقبين عاملا مهما في استقطاب الاستثمارات وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.
كما ساهم تطوير المنظومة الأمنية والتعاون الدولي في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في تعزيز مكانة المملكة كشريك أمني على المستويين الإقليمي والدولي.
رهانات المرحلة المقبلة
تواجه المملكة، شأنها شأن العديد من الدول، تحديات مرتبطة بخلق فرص الشغل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وتدبير الموارد المائية، ومواصلة إصلاح التعليم والصحة، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
وفي المقابل، تراهن على فرص واعدة، من بينها مشاريع البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم 2030، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة، والصناعات الحديثة، وتعزيز موقعها كبوابة بين إفريقيا وأوروبا.
عيد العرش.. مناسبة للتأمل في مسار الدولة وآفاقها
يبقى عيد العرش المجيد مناسبة وطنية جامعة، لا تقتصر على بعدها الاحتفالي، بل تمثل أيضا فرصة لاستحضار مسار الدولة المغربية الحديثة، وما عرفته من تحولات خلال العقود الماضية، ومناقشة الرهانات التي تنتظرها في المستقبل.
ويواصل المغرب العمل على مشاريع وإصلاحات في مجالات الاقتصاد، والبنيات التحتية، والخدمات الاجتماعية، والدبلوماسية، في إطار رؤية تستهدف تعزيز التنمية وتحسين جودة الحياة وترسيخ مكانة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، تبقى قدرة الدول على التكيف مع التحولات الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية من أبرز عوامل النجاح. ويعد الاستثمار في الرأسمال البشري، وتطوير المؤسسات، وتعزيز الابتكار، وتوسيع الشراكات الدولية، من بين العناصر التي ستظل حاضرة في مسار التنمية المغربية خلال السنوات المقبلة، بما يجعل عيد العرش مناسبة لتجديد التأمل في ما تحقق، واستشراف ما يمكن إنجازه مستقبلا في إطار استمرارية الدولة ومؤسساتها.






