سياسة

ملف الأحد: تحليل السياسات العمومية صدمة “المغرب بسرعتين”: كيف تكرس السياسات العمومية الحالية انقساماً اجتماعياً يهدد استدامة التنمية؟

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

1. مقدمة: تباين السرعات وهاجس العدالة الاجتماعية

يتأرجح المشهد المغربي الحالي بين زخم تنموي هائل على مستويات البنية التحتية والتموقع الجيوسياسي، وواقع اجتماعي مثقل بوطأة التفاوتات المتزايدة. هذا التباين، الذي وصفه الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير بالانقسام بين “مغرب يسير بسرعتين”، لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل بات يمثل التحدي البنيوي الأعمق الذي يواجه مفهوم “الدولة الاجتماعية” المنشودة. إن الحديث عن مغرب ينقسم إلى فئتين، إحداهما تستفيد من ثمار النمو وتيرة الإصلاحات والأخرى لا تصلها إلا الفتات، هو في جوهره نقد مباشر لنجاعة السياسات العمومية المتبعة وقدرتها على تحقيق الاندماج والعدالة المجالية. نحن أمام وضع لا تقتصر فيه الفوارق على الدخل والثروة، بل تتجذر في جودة الوصول إلى الفرص والخدمات العمومية الأساسية، مما يهدد استدامة كل المنجزات المتحققة.

2. التشخيص الملكي للفوارق: مراجعة مفهوم التنمية

لقد حدد الخطاب الملكي مفهوم التنمية بمقاربة جديدة، داعياً إلى تنمية تستجيب لانتظارات المغاربة العاجلة وتؤسس لعدالة اجتماعية ومجالية حقيقية. إن الإشارة إلى “المغرب بسرعتين” تعني أن نموذج التنمية الحالي، رغم نجاحه الجزئي في خلق الثروة، قد فشل في ضمان توزيعها العادل أو توفير الفرص المتكافئة. هذا التشخيص الملكي يدفع نحو مساءلة مباشرة للسياسات العمومية في ثلاثة محاور رئيسية: التعليم، الصحة، والتشغيل. الفشل في تحقيق جودة متساوية في هذه القطاعات يخلق بفعالية “اقتصاد فرص” غير عادل، حيث يصبح مصير الفرد مرهوناً بقدرة أسرته على “شراء” الجودة في القطاع الخاص، بدل الاعتماد على الخدمة العمومية كضامن للتكافؤ الاجتماعي.

3. السياسات العمومية في قطاع التعليم: تكريس الفجوة الهيكلية

يعد قطاع التعليم العمومي، الذي يستوعب ما يزيد عن 84% من التلاميذ المغاربة، ساحة المعركة الحقيقية للعدالة الاجتماعية. ورغم الإصلاحات والبرامج الحكومية المتلاحقة، تشير التقارير إلى تفاقم الفجوة بين التعليم العمومي والخاص. ففي الوقت الذي تدفع فيه الأسر الميسورة أبناءها نحو مؤسسات خاصة تضمن لهم جودة تأطير أعلى واندماجاً أسرع في سوق العمل، يظل التعليم العمومي يواجه تحديات الاكتظاظ، تفاوت جودة التأطير، وعدم ملاءمة المناهج لمتطلبات “اقتصاد الغد”. إن السياسة العمومية المتبعة هنا لم تنجح في استرداد هيبة المدرسة العمومية كقاطرة للترقي الاجتماعي. هذا الوضع يكرس اللامساواة في الفرص المتاحة للشباب منذ المراحل المبكرة، مما يعني أن “المغربان” يولد كل منهما بفرص مختلفة للحياة، وهذا بحد ذاته يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم، ويخلق جيلاً من الشباب المحبط وغير المندمج.

4. تحدي التشغيل و”جيل زد”: الإحباط الاقتصادي يغذي الأزمة الاجتماعية

يواجه الشباب المغربي (جيل زد)، الذي يمثل القوة الديمغرافية الأكبر، أزمة ثقة حقيقية تغذيها معضلة البطالة. فالمعطيات حتى منتصف 2025 تظهر أن معدل البطالة لدى الفئة العمرية (15-24 سنة) يقارب 35.8%، وهو مؤشر ينذر بالخطر. الأزمة لا تكمن فقط في ندرة فرص الشغل، بل في هشاشتها، حيث أن نسبة كبيرة من الوظائف المستحدثة تقع ضمن القطاع غير المهيكل (الذي يشغل أكثر من 44% من اليد العاملة النشيطة)، وهي وظائف لا تضمن الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية أو الاستقرار المادي.

إن السياسات العمومية الهادفة لتعزيز التشغيل (كمبادرات “أوراش” و”فرصة”)، رغم أهميتها و لكنها واجهت فشلا ذريعا، تظل جزئية ومؤقتة أمام الحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة في القطاع الإنتاجي والاقتصادي لخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة. فشل هذه السياسات في الاستجابة لتطلعات الشباب يؤدي إلى تنامي “اللايقين الاجتماعي”، حيث يصبح المستقبل غامضاً حتى بالنسبة لحاملي الشهادات العليا (الذين تناهز بطالتهم 20%)، مما يدفع بهم نحو البحث عن سبل تعبير جديدة خارج الأطر التقليدية.

5. رهان “الدولة الاجتماعية” وأزمة الثقة في المؤسسات

تمثل “الدولة الاجتماعية” (التي يطمح إليها المغرب عبر ورش تعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر) محاولة جادة لتقليص الفوارق. فإخراج 4 ملايين أسرة من نظام “راميد” نحو التأمين الإجباري الأساسي على المرض (AMO) هو خطوة عملاقة. ولكن نجاح هذا الورش مشروط بضمان جودة الخدمات الصحية العمومية القادرة على استيعاب هذا التحول دون تحميل الأسر مزيداً من الأعباء. حالياً، لا تزال الأسر تتحمل ما يقارب 50% من نفقات الصحة، مما يهدد بنسف الهدف النبيل لتعميم التغطية.

هذا التفاوت في الأداء العمومي والبطء في تحقيق العدالة المجالية انعكس مباشرة على مؤشر الثقة السياسية. حيث تشير الدراسات إلى تراجع حاد في ثقة المواطنين والشباب تحديداً في المؤسسات المنتخبة (الحكومة، البرلمان، الأحزاب)، مقابل ثقة أعلى في المؤسسات السيادية والقرب الإداري (المؤسسات المحلية). إن هذه الأزمة في الثقة هي أعمق دلالات الانقسام إلى “مغربين”؛ فالمواطن يرى أن المؤسسات الوسيطة لم تعد قادرة على تمثيله أو تحويل مطالبه إلى سياسات عمومية ناجعة وملموسة.

6. استخلاص: ضرورة الانطلاق بـ “سرعة موحدة” نحو المستقبل

إن التحدي الذي يواجه السياسات العمومية اليوم في المغرب، كما أشار إليه الخطاب الملكي، يكمن في تحويل مفهوم “التنمية بمفهومها الجديد” من مجرد خطط طموحة إلى واقع ملموس يحس به المواطن في حياته اليومية. إن استمرار “المغرب بسرعتين” يهدد بتقويض الاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل، خاصة في ظل تنامي الضغوط الاقتصادية والتضخم.

يتطلب ردم هذه الهوة ما يلي:

  • إعطاء الأولوية لجودة الخدمات العمومية: يجب أن يكون الهدف هو استعادة جاذبية المدرسة والمستشفى العمومي لجميع الفئات الاجتماعية، لضمان تكافؤ الفرص في بداية المسار المهني.
  • إصلاحات هيكلية لسوق الشغل: توجيه الاستثمارات العمومية والخاصة نحو قطاعات منتجة تضمن فرص عمل مستقرة ومؤطرة بالكامل، خاصة للشباب المؤهل.
  • تجديد الفعل السياسي: على المؤسسات المنتخبة والأحزاب أن تثبت قدرتها على أن تكون قنوات فعالة لتمثيل المواطنين وليس مجرد هياكل إدارية منفصلة عن الشارع وتطلعاته.

باختصار، لن يتمكن المغرب من تحقيق استدامة نموه إلا إذا استطاعت السياسات العمومية أن توحد سرعة سيره، وتضمن أن تكون ثمار التنمية حقاً عاماً، لا امتيازاً خاصاً يُشترى بالمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى