سياسة

ملف الأحد: أين يسير المغرب :من لوبي الضغط إلى لوبي الاحتكار!تهديد الأمن الاجتماعي! وانزلاقات حكومة أخنوش!

الملف لفاس 24 من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

في السنوات الأخيرة، يواجه المغرب تحديات كبيرة على كافة الأصعدة: الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية. تحولات اقتصادية غير مسبوقة، مشهد اجتماعي متأزم، وتذبذب في استراتيجيات الحكومة، باتت تطرح العديد من الأسئلة حول السياسة الحكومية التي هزمتها خمسة دراهم لسماك مراكش. هل نحن أمام نموذج تنموي جديد يستفيد منه الجميع، أم أن  هناك من يدفع بالبلاد نحو المزيد من التوترات الاجتماعية والاقتصادية؟ في هذا الملف الصحفي، سنسلط الضوء على أزمة اللوبيات، تفشي الاحتكار، تهديد الأمن الاجتماعي، وانزلاقات حكومة عزيز أخنوش، رغم المبادرات الملكية التي تهدف إلى تعزيز الدولة الاجتماعية.

اللوبيات: من الضغط إلى الاحتكار

لطالما كانت اللوبيات جزءًا من الحياة الاقتصادية والسياسية في المغرب، لكن في الآونة الأخيرة، أخذت هذه اللوبيات أشكالًا جديدة أكثر تعقيدًا. ففي قطاعات حيوية مثل المحروقات، الفلاحة، والعقار، تحول عدد من كبار المستثمرين إلى لوبيات ضغط غير مرئية، حيث يتم التحكم في أسواق كاملة، مع تقليص فرص المنافسة الحقيقية أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.

إن تصاعد الاحتكار في هذه القطاعات بات يهدد استقرار السوق المغربية، حيث تجني الشركات الكبرى أرباحًا طائلة على حساب المستهلكين، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. القطاع الفلاحي و الصيد البحري  مثال بارز على ذلك، حيث تسيطر بعض الشركات الكبرى على الإنتاج والتوزيع، ما يعزز من قدرتها على التحكم في الأسعار، وبالتالي رفع تكلفة المعيشة بالنسبة للمواطنين، في وقت يعاني فيه السوق من غياب المنافسة الحقيقية.

الاحتكار: تهديد للطبقة الوسطى وارتفاع الأسعار

في وقت يعاني فيه الاقتصاد المغربي من ركود في بعض القطاعات، فإن الاحتكار أصبح أداة للضغط على المواطنين. فالأسواق التي كانت ذات يوم مليئة بالتنافسية شهدت تراجعا كبيرا في عرض السلع والخدمات بأسعار معقولة. إن تزايد الاحتكار في قطاعات مثل الفلاحة و الصيد البحري  يعكس تغول بعض الشركات الموالية للأحباب  على حساب حقوق المواطن.

في قطاع المحروقات،و هي سبب شرارة ارتفاع الأسعار  على سبيل المثال، تكرر الحديث عن استغلال الزيادة في أسعار النفط عالمياً لتبرير غلاء الأسعار في المغرب رغم انخفاض الأسعار الدولية. هذا الواقع يساهم في تآكل القدرة الشرائية للمواطن، مما يزيد من معاناته في ظل أزمة اقتصادية تتسارع.

الأمن الاجتماعي في خطر

الأمن الاجتماعي في المغرب أصبح مهددًا بشكل غير مسبوق. الفجوة بين الطبقات الاجتماعية آخذة في التوسع، حيث يعاني الشباب من ارتفاع معدلات البطالة، ما يهدد استقرار المجتمع. ففي الوقت الذي لا يرتفع فيه الحد الأدنى للأجور، تظل الأسعار في السلع الأساسية تتصاعد، مما يضاعف العبء على الأسر المغربية. الشارع المغربي، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق الريفية، يشهد تصاعدًا في الاحتجاجات الصامتة المطالبة بتحسين الظروف المعيشية.

لكن الأهم من ذلك هو أن الحكومة لم تتمكن من تقديم حلول فعالة لمعالجة البطالة، خصوصًا بين الشباب. فالتوظيف في القطاع العام شبه متوقف، بينما لا يستطيع القطاع الخاص توفير فرص عمل كافية. عوضًا عن ذلك، تجد الحكومة نفسها تحت ضغط متزايد بعد صدور تقارير تتحدث عن الارتفاع المهول في اعداد الباحثين عن الشغل.

حكومة أخنوش: من مبادرات إلى انزلاقات

رغم أن حكومة عزيز أخنوش تولت مهامها في إطار من التفاؤل بتطبيق إصلاحات اقتصادية تساهم في تعزيز النمو،ووعدت بتوفير فرص الشغل و زيادة 2500 درهم في الأجور، إلا أن الواقع كشف عن انزلاقات خطيرة في العديد من القرارات والسياسات المتخذة.

ورغم المبادرات الملكية التي تهدف إلى بناء “الدولة الاجتماعية” عبر إصلاحات تؤمن خدمات الصحة والتعليم والسكن للفئات الأكثر فقراً،  ووتقديم الدعم الاجتماعي ،فإن الحكومة ظلت عالقة في بعض القرارات السياسية والاقتصادية التي عمقت معاناة المواطن البسيط.

من أبرز القضايا التي أثارت جدلاً في فترة حكومة أخنوش، تلك المتعلقة بالزيادات في أسعار المواد الأساسية مثل المحروقات والمواد الغذائية، رغم التحذيرات الملكية المستمرة التي تدعو إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين. كما أن العديد من المراقبين يعتبرون أن الحكومة لم تضع الخطط الكافية لتوزيع الثروات الوطنية بشكل عادل بين جميع شرائح المجتمع، وهو ما جعل الحكومة موضع انتقادات شديدة من قبل فئات عريضة من المواطنين،فحتى زعماء الأحزاب اتهموا حكومة اخنوش بالسقوط في المحضور من خلال تضارب المصالح و خاصة في مشاريع تحلية مياه البحر و بيع الوقود لمؤسسات الدولة.

التحديات الاقتصادية و الاجتماعية تهدد صمود حكومة أخنوش:

فشل حكومة  أخنوش في مواجهة الازمة الاقتصادية و ارتفاع الأسعار لم تكن بالسلاسة المتوقعة، إذ لم تحقق الإصلاحات في القطاعين الفلاحي والصناعي و توفير فرص الشغل من خلال النتائج المرجوة. ورغم أن الحكومة راهنت على قطاع الطاقة المتجددة ومشاريع كبيرة لتحفيز النمو، فإن هذه المشاريع لم تكن قادرة على خلق فرص عمل كافية أو تحسين الوضع الاجتماعي للشعب. ولم يكن هناك تنسيق كاف بين الحكومة والفاعلين الاجتماعيين لاحتواء الاحتجاجات الصامتة التي انتقلت من الشارع إلى خلف التطبيقات و المنصات الاجتماعية لتفضح الاوضاع المستمرة ضد غلاء الأسعار وتردي الخدمات.

إن التحديات الاقتصادية أصبحت مركبة أكثر، خصوصًا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي خلفتها كورونا  وأزمة الطاقة التي عصفت بالعديد من البلدان. ورغم المحاولات الحكومية، مثل إعفاءات ضريبية لبعض الفئات، فإن تأثير هذه القرارات يبقى محدودًا في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة.

المبادرات الملكية: تعزيز الدولة الاجتماعية

ورغم الانتقادات العديدة لحكومة الاحتكار ، لا يمكن تجاهل المبادرات الملكية التي تهدف إلى بناء الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية. جلالة الملك محمد السادس، في خطبه المتكررة، شدد على ضرورة العمل على تقليص الفوارق الاجتماعية والجهوية، وهو ما تجسد في العديد من المبادرات التي تسعى إلى تحسين الوضع الصحي والتعليمي والإسكان للمواطنين. لكن المشكلة تكمن في أن تطبيق هذه المبادرات يتم ببطء، حيث يواجه العديد من هذه البرامج تحديات مالية وإدارية تمنع تنفيذها بشكل فعّال بسبب تقاعس الوزراء في تنفيذ التوجيهات الملكية.

لقد جاء خطاب جلالة  الملك في عدة مناسبات محذرًا من المغامرة بالاستقرار الاجتماعي، حيث شدد على ضرورة إصلاحات سريعة في القطاعين الاقتصادي و خاصة الفلاحي والاجتماعي لتفادي مزيد من الاحتقان الاجتماعي.

و في ظل هذه التحديات، يبدو أن المغرب بحاجة إلى استراتيجية شاملة للإصلاح. الحكومة، رغم المبادرات الملكية الساعية إلى ترسيخ الدولة الاجتماعية، تفتقر إلى أدوات فاعلة لترجمة هذه المبادرات على أرض الواقع. الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحالية تزداد تعقيدًا، والأمل في تغيير حقيقي مرهون بإرادة سياسية جديدة و بانتخابات تفرز حكومة  قوية قادرة على تحجيم تأثير اللوبيات الاقتصادية، وتعزيز آليات المنافسة الحقيقية، وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات.

ما يحتاجه المغرب الآن هو نهج إصلاحي حقيقي يأخذ في الاعتبار مصالح المواطنين وليس اللوبيات، لأن المغرب لا يرغب في اعادة التاريخ المرهون بلوبي الضغط سابقا و لوبي الاحتكار حاليا ، و ما يتطلب هو التأسيس لنمو اقتصادي مستدام ومتوازن يضمن الأمن و الاستقرار الاجتماعي للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى