مجلس النواب يصادق على مشروع قانون المسطرة الجنائية: بين التحديث الحقوقي وجدل المقتضيات

بعد ساعات طويلة من النقاشات المستفيضة، صادق مجلس النواب المغربي، امس الثلاثاء ، بالأغلبية على مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23. خطوة تشريعية وصفت بالهامة، حضرها وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، وحظيت بتأييد 130 نائبًا برلمانيًا مقابل معارضة 40 نائبًا، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت، لتضع بذلك حجر الأساس لمرحلة جديدة في مسار العدالة الجنائية بالمملكة.
يأتي هذا المشروع الطموح، الذي يُنظر إليه على أنه “دستور العدالة الجنائية” الجديد، استجابةً لحاجة ملحة لتحديث الإطار القانوني للإجراءات الجنائية، تماشيًا مع التوجيهات الملكية السامية الداعية لتعزيز الحقوق والحريات، وتكريسًا لالتزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان.
يعتبر هذا التعديل الأكبر من نوعه الذي يشهده قانون المسطرة الجنائية منذ إقراره عام 2002، حيث شملت التغييرات أكثر من 420 مادة. تهدف هذه المستجدات إلى تحقيق جملة من الأهداف الرئيسية:
تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة: يضع المشروع آليات جديدة لمراجعة شروط اللجوء إلى الحراسة النظرية، ويقوي حقوق الدفاع بشكل لافت، مع تيسير التواصل بين الموقوفين ومحاميهم، خاصة في الساعات الأولى من الاعتقال. كما يرسخ مبدأ قرينة البراءة ويؤكد أن الصمت لا يعتبر إقرارًا ضمنيًا.
تسريع الإجراءات عبر الرقمنة: يعتمد القانون الجديد بشكل واسع على الوسائل الرقمية في المسطرة الجنائية، بهدف تسريع وتيرة البت في القضايا وتبسيط الإجراءات القضائية.
ترشيد الاعتقال الاحتياطي: يسعى المشروع للحد من حالات اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي وترشيد استخدامه، استجابة لمطالب حقوقية متكررة.
حماية الضحايا وتأهيلهم: يتضمن القانون مقتضيات تعزز رعاية الضحايا وحمايتهم في جميع مراحل الدعوى العمومية. كما ينص على إشعار الضحية بمآل الإجراءات، وتوفير مساعدة المحاماة لضحايا العاهات والأحداث، وتعزيز دور مكاتب المساعدة الاجتماعية.
تسهيل الإفراج وإعادة الإدماج: يهدف المشروع إلى تبسيط إجراءات رد الاعتبار ودفع الغرامات، مما يسهم في تحسين آليات الإفراج وإعادة إدماج المحكوم عليهم في النسيج الاجتماعي.
مكافحة الجريمة المنظمة: يساهم المشروع في ملاءمة التشريع الوطني مع المتطلبات الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة، خاصة وأن المغرب طرف في أكثر من 90 اتفاقية ثنائية في هذا المجال.
لم تخلُ مناقشة مشروع القانون في مجلس النواب من جدل واسع، عكس الأهمية الكبيرة التي يوليها البرلمانيون لهذا النص المحوري. فبينما شددت الأغلبية على أن المشروع يترجم الرؤية الملكية في تعزيز الحقوق والحريات ويلبي الالتزامات الدولية للمغرب، عبرت فرق نيابية معارضة عن تحفظات على بعض المقتضيات.
تركزت النقاشات على مقاربة القانون لجرائم المال العام وتأثيرها على السياسة العمومية لمكافحة الفساد. كما سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان أن دعيا إلى إلغاء شرط الاعتراف بالمنفعة العامة لتدخل الجمعيات كطرف مدني، ومراجعة بعض المواد المتعلقة بعقوبة الإعدام وتنظيم الحق في التعويض عن الخطأ القضائي.
بعد مصادقة مجلس النواب، من المنتظر أن يتم إحالة مشروع القانون على مجلس المستشارين للمصادقة عليه. وبعدها، سيُرفع إلى جلالة الملك للمصادقة النهائية، ثم يُنشر في الجريدة الرسمية ليدخل بذلك حيز التنفيذ.
تؤكد وزارة العدل أن هذا المشروع يشكل حلقة أساسية ضمن سلسلة الإصلاحات التشريعية التي تباشرها الوزارة، بما في ذلك القانون المتعلق بالعقوبات البديلة وتنظيم المؤسسات السجنية، وذلك في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تحديث وعصرنة العدالة الجنائية في المغرب. إنها لحظة فارقة قد تشهد تحولاً نوعيًا في مسار العدالة المغربية، نحو مزيد من الأمن القانوني والقضائي.






