سياسة

“قبة البرلمان تشتعل اتهامات.. ومائدة غذاء تجمع الخصوم بابتسامات: أي وجه يراه الشعب المغربي؟”

يستمر المشهد السياسي المغربي في رسم لوحات متناقضة، تتأرجح بين صخب المواجهات تحت قبة البرلمان ودفء الود على موائد الطعام الفاخرة، في وقت يغلي فيه الشارع المغربي بالاحتجاجات والمطالب الاجتماعية. هذه التناقضات تثير تساؤلات عميقة حول حقيقة الصراع، مدى جديته، وتأثيره على الثقة بين المواطن ومن يمثله.

الصراع المحتدم تحت القبة.. والاتهامات النارية:

لقد تابع الرأي العام المغربي باهتمام كبير الجلسة الأخيرة للجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، حيث تصدر النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، عبد الصمد حيكر، المشهد بمداخلة نارية. لم يتوان حيكر عن توجيه اتهامات مباشرة وخطيرة لوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، مشككاً في أهليته لتسيير القطاع، ومُثيراً ملفات حساسة تتعلق بـ “الفساد” و**”تضارب المصالح”** في مشروع “مدارس الريادة”. بل وصل الأمر إلى اتهام الوزير بعدم احترام الدستور وتجاهل القانون الإطار للتربية والتكوين، في خطوة غير مسبوقة تضع المسؤول الحكومي تحت مجهر المساءلة العلنية.

هذا التصعيد يعكس حالة احتقان سياسي حقيقية، لا سيما وأن الموسم البرلماني الحالي يتزامن مع سنة انتخابية حاسمة، حيث تتصاعد لغة التهديد داخل الأغلبية نفسها بـ “تفجير ملفات فساد ثقيلة”، مما يوحي بأن البرلمان بات على أعتاب “زلزال سياسي” عنوانه الأبرز هو “صراع السلطة داخل السلطة”.

ابتسامات المائدة.. أين ذهبت حدة المواجهة؟

لكن، في مشهد آخر، تلتقط الكاميرات صورة تجمع   وزير التربية الوطنية و الرياضة محمد سعد برادة و القيادي في حزب العدالة و التنمية و البرلماني المعارض عبد الصمد حيكر معاً، وهما يتبادلان الابتسامات الودودة فوق مائدة طعام فاخرة. طبق كبير من السلطات المتنوعة والأطباق الشهية يعكس أجواء الراحة والوئام التي جمعت “الخصوم” بعد لحظات قليلة من المواجهة الحادة.

هذه الصورة تثير استغراباً واسعاً وتساؤلات مشروعة: كيف يمكن للمناقشات أن تكون بهذه الحدة، والاتهامات بهذه الخطورة أمام أعين الإعلام ، ثم تتحول الأجواء إلى هذا القدر من الود والانسجام فوق مائدة الطعام؟ هل ما يحدث تحت قبة البرلمان مجرد “مسرحية سياسية” أمام الرأي العام؟ وهل يقتصر الصراع على “فلكلور برلماني” ينتهي بمجرد رفع الجلسات؟

المغرب يغلي.. وهم يستمتعون بـ”أطباق البرلمان”:

في الوقت الذي يستمتع فيه السادة البرلمانيون والوزراء بـ “أطباق البرلمان” وابتسامات الود، فإن الشارع المغربي يشهد حراكاً متواصلاً. الاحتجاجات تتوالى، والمواطنون يشتكون من تردي قطاعي التعليم و الصحة، وغلاء المعيشة، تدهور الخدمات الاجتماعية، وصعوبة الوصول إلى فرص الشغل. الأزمة الاجتماعية والاقتصادية تلقي بظلالها على حياة الملايين، في حين يبدو أن الهموم البرلمانية تُطوى مع رفع الجلسات لتفسح المجال لأجواء مختلفة تماماً.

هذا التباين الصارخ بين ما يقال تحت قبة البرلمان وما يظهر على موائد الغذاء، وبين واقع النخب وواقع المواطن، يهدد بتقويض الثقة في المؤسسات الديمقراطية. إن المطلوب ليس فقط “الصراع” أو “الود”، بل هو “الجسر” الذي يربط ما يقال في القبة وما ينجز على أرض الواقع، وأن تكون مخرجات هذا الصراع أو الود في صالح الوطن والمواطنين، لا أن تتحول إلى مجرد “فرجة سياسية” تزيد من هوة الثقة بين الشعب ومن يمثله.

إن الصورة، وإن كانت لا تعكس بالضرورة حقيقة العلاقات بشكل كامل، إلا أنها تظل رمزاً قوياً يدعو إلى التفكير النقدي في آليات اشتغال العمل السياسي، وفي مدى تأثيره الحقيقي على حياة المواطنين بعيداً عن الكواليس والابتسامات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى