غرفة تجارة فاس–مكناس… مؤتمرات بلا مردودية وسنوات عجاف … شراكات ورقية ولقاءات بروتوكولية لا تُنقذ جهة غارقة في الركود

تعيش جهة فاس–مكناس على وقع ركود اقتصادي مزمن، بينما تتواصل داخل غرفة التجارة والصناعة والخدمات سلسلة اللقاءات والمؤتمرات التي لا تتجاوز حدود البروتوكول. ورغم كثافة الأنشطة والصور الرسمية، فإن الواقع الاقتصادي للجهة يكشف فجوة واسعة بين ما يُعلن وما يتحقق فعلاً، حيث لا أثر ملموس لهذه المبادرات على الأرض، ولا تحسن في جاذبية الاستثمار أو مواكبة المقاولات.
الولاية الحالية لرئيس الغرفة تكاد تكون الأفقر من حيث النتائج، إذ لم تُسجّل الغرفة خلال سنواتها الأخيرة جلب أي مستثمر واحد قادر على خلق دينامية اقتصادية. وفي الوقت الذي تغرق فيه الأحياء الصناعية بفاس ومكناس في العطالة البنيوية، تتواصل البرامج الورقية التي لا تقدم حلولاً عملية، ما يضع علامة استفهام كبيرة حول جدوى التسيير الحالي ومدى قدرته على تحمّل مسؤولية النهوض الاقتصادي بالجهة.
برنامج STAPLES، الذي جرى إطلاقه بشراكة مع مؤسسات محلية ودولية، جاء ليعزز هذا المسار الشكلي. ورغم تقديمه كخطوة لتعزيز الأمن الغذائي ودعم سلاسل القيمة الفلاحية، إلا أنه لم يتجاوز إطار اللقاءات والتصريحات. فالمقابلات التي نُظّمت، مهما كانت، لا تعالج أزمات الفاعلين في الميدان، ولا تخلق استثمارات ملموسة، ولا تحل مشاكل الحبوب أو سلاسل الإنتاج. إنها مبادرات جميلة على الورق، لكنها خالية من التأثير العملي.
في المقابل، يواجه المقاولون الصغار والمتوسطون واقعاً صعباً، عنوانه مشاكل العقار الصناعي، غياب المواكبة، تدهور البنية التحتية، وتعطّل المشاريع الاستثمارية. وبينما تشتد حاجة الجهة إلى خطط اقتصادية جريئة وحلول عملية، تستمر الغرفة في تبديد الوقت والمال العام على ندوات وشراكات لا تتجاوز ديباجات رسمية وبروتوكولات باردة.
الجهة تحتاج إلى رؤية حقيقية قادرة على جلب الاستثمارات وإحياء المناطق الصناعية وتيسير ولوج المقاولات إلى التمويل. وتحتاج قبل ذلك إلى قيادة قادرة على جعل الغرفة مؤسسة فعلية لخدمة الاقتصاد، لا منصة للصور الرسمية والشعارات. فإما أن تتحول هذه المؤسسة إلى قوة اقتراحية وإلى ذراع تنموي حقيقي، أو ستظل مجرد واجهة تستهلك الميزانيات دون نتيجة.
الوضع اليوم يفرض تغييراً جذرياً في طريقة تدبير غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة فاس–مكناس. فبين الركود الاقتصادي، وانسداد أفق الاستثمار، وتفاقم مشاكل الأحياء الصناعية، لم يعد مقبولاً استمرار إيقاع الأنشطة الشكلية. ما تحتاجه الجهة هو إرادة حقيقية، وإدارة تعرف كيف تُقنع المستثمرين، وكيف تُحوّل الشراكات إلى مشاريع، واللقاءات إلى إنجازات… لا إلى تقارير تُحفظ في الرفوف.
إن مستقبل الجهة لن يُبنى بالندوات و لا بمنتديات إقتصادية خاوية على عروشها ولا بالشعارات السياسوية، بل بقرارات جريئة تقطع مع سنوات من الهدر والارتجالية. وفتح تحقيق في مآل المال العام المخصص للقاءات السابقة ليس مطلباً سياسياً فقط، بل ضرورة لحماية المرفق العام وإعادة الثقة إلى المؤسسات، وضمان أن تتحول الغرفة إلى محرك اقتصادي حقيقي… لا إلى “واجهة بروتوكولية” تستهلك الميزانيات دون مردود.






