مجتمع

حين تتحوّل الخوارزميات إلى قاضٍ اجتماعي: المغاربة يئنّون تحت وطأة مؤشر مجحف يُقصي المستحقين من “أمو تضامن” و الدعم

في وقت يُقدَّم فيه التحول الرقمي كحل سحري لتعزيز الكفاءة ومحاربة الفساد، يكشف تقرير دولي جديد عن الوجه المظلم لرقمنة برامج الدعم الاجتماعي في المغرب، حيث تُستبدل المبادئ الإنسانية بخوارزميات قد تُقصي المستحقين بدلاً من إنصافهم.

التقرير، الصادر عن مركز كارنيغي للسلام الدولي تحت عنوان “الاقتصاد السياسي للبيانات الاجتماعية: الفرص والمخاطر في رقمنة نظام الاستهداف الاجتماعي بالمغرب”، أعدّه الباحث المغربي عبد الرفيع زنون، ويُسلّط الضوء على التحولات العميقة التي عرفتها السياسات الاجتماعية منذ 2021، مع إطلاق السجل الاجتماعي الموحد (RSU) الذي بات الأداة المحورية لتحديد من يستحق الاستفادة من الدعم العمومي.

ورغم توحيد أكثر من 100 برنامج اجتماعي، وضخ ما يفوق 15 مليار درهم لتغطية التحويلات النقدية، وتسجيل حوالي 12 مليون مغربي ضمن منظومة الدعم المباشر، فإن هذا “النجاح التقني” يخفي خلفه خللاً بنيويًا يطرح أسئلة مشروعة حول العدالة الاجتماعية والشفافية.

وفق التقرير، الرقمنة في المغرب، بدل أن تكون أداة لتعزيز الإنصاف، صارت تُهدّد بتحويل المواطنين إلى مجرد بيانات رقمية تُقيَّم بناء على معايير تقنية غير مفهومة أو قابلة للطعن. ويشير الباحث إلى أن المنظومة الرقمية الحالية قد تُستخدم كأداة “تقشف غير معلن”، تُقصي من هم في أمس الحاجة إلى الدعم، وتكافئ من يملك القدرة على التكيّف مع متطلبات الخوارزميات.

ويُحذر التقرير من التحيّز الرقمي الذي قد يُكرّس فجوات اجتماعية أكبر بدل تقليصها، لا سيما في ظل محدودية الولوج إلى الإنترنت في بعض المناطق، وعدم دراية فئات واسعة بكيفية التسجيل أو التعامل مع المنصة الإلكترونية.

وفي هذا السياق، يظل عدد كبير من المغاربة يشتكون إقصاءهم غير المفهوم من لوائح المستفيدين من برامج الدعم، وعلى رأسها “أمو تضامن”، رغم ظروفهم الاجتماعية القاسية. إذ يجدون أنفسهم ضحية مؤشر غير شفاف يرفض طلباتهم دون تبرير واضح، ما يفتح الباب أمام موجة من الغضب والإحساس بالحيف.

إن اعتماد الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في السياسات الاجتماعية لا يجب أن يُغفل الجانب الإنساني، ولا أن يُحوّل الفئات الهشة إلى أرقام باردة في معادلة رياضية. فبين الطموح نحو التحديث والخوف من الظلم الرقمي، يقف المغرب اليوم أمام مفترق طرق: فإما عدالة رقمية شاملة، أو نظام يُكرّس الإقصاء باسم الكفاءة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى