سياسة

جراح الأزمات والي فاس-مكناس: هل ينجح “مشرط” أيت الطالب في جراحة “المركب الاجتماعي”؟

شكل تعيين البروفيسور خالد آيت الطالب، وزير الصحة والحماية الاجتماعية السابق، والياً لجهة فاس-مكناس وعاملاً على عمالة فاس، إشارة قوية ومدروسة ضمن الحركة الأخيرة للتعيينات في المناصب العليا. هذا القرار، الذي يحمل بصمات الثقة الملكية السامية في الكفاءات الوطنية، يمثل نقطة تحول مرتقبة في مسار إحدى أهم جهات المملكة. إنها عملية “نقل خبرة” حاسمة، حيث يتم الدفع برجل أثبت جدارته في إدارة الأزمات الوطنية الكبرى إلى قلب تحدٍ إقليمي معقد، يتطلب تدخلاً يتجاوز الروتين الإداري إلى “جراحة تنموية” عميقة.

 دلالات الثقة الملكية ورمزية التكليف

لا يمكن قراءة تعيين البروفيسور آيت الطالب بمعزل عن سياق الدولة المغربية الراهن، الذي يركز على تحقيق الالتقائية بين السياسات العمومية الوطنية ومتطلبات التنمية الجهوية. تعيين شخصية بوزن آيت الطالب، الذي قاد بنجاح  قطاعاً حيوياً خلال فترة الجائحة العالمية، يؤكد ثلاثة رسائل رئيسية:

  1. رهان على الكفاءة التكنوقراطية: القرار يجسد فلسفة ربط المسؤولية بالكفاءة، ويؤكد تفضيل الدولة لملفات الخبرة الميدانية والعلمية على الولاءات الإدارية التقليدية. آيت الطالب ليس والياً نمطياً؛ إنه خبير قادم من قاعة العمليات والوزارة، يحمل معه منهجية التشخيص الدقيق والمقاربة العلمية في معالجة القضايا.
  2. أهمية جهة فاس-مكناس كأولوية وطنية: وضع كفاءة من مستوى آيت الطالب على رأس هذه الجهة يبرز أن ملف فاس-مكناس، بتعقيداته الاجتماعية والاقتصادية، قد ارتقى إلى مستوى الأولويات الوطنية التي تتطلب تدخلاً نوعياً. فاس-مكناس ليست مجرد جهة إدارية، بل هي العاصمة العلمية والروحية التي تحتاج إلى إعادة هيكلة عميقة تليق بمكانتها التاريخية.
  3. الثقة في قدرة الإنجاز تحت الضغط: خبرة آيت الطالب في قيادة وزارة الصحة خلال فاشية كورونا (كوفيد-19) هي شهادة على قدرته على العمل تحت ضغط هائل واتخاذ قرارات مصيرية في وقت الأزمة. هذه القدرة على إدارة “الحرب” هي ما تحتاجه الجهة حالياً لمواجهة تحديات التنمية المتراكمة.

ا واقع فاس-مكناس.. “المركب الاجتماعي” في غرفة الإنعاش

تعد جهة فاس-مكناس، رغم إمكاناتها البشرية والتاريخية، واحدة من أكثر الجهات التي تعاني من اختلالات هيكلية عميقة، يمكن تلخيصها في “مركب اجتماعي واقتصادي” يحتاج إلى إنعاش فوري:

  • الشلل التنموي لـ”العاصمة العلمية”: تعاني فاس، على وجه الخصوص، من تراجع دورها الاقتصادي لصالح مدن ساحلية أخرى. التراث المعماري الهائل للمدينة القديمة لا يستغل بالقدر الكافي، وتعاني الصناعات التقليدية من الإهمال، مما أدى إلى تفاقم البطالة بشكل خاص بين صفوف حاملي الشهادات.
  • التحدي الاجتماعي والهشاشة: تسجل الجهة مؤشرات مرتفعة للفقر والهشاشة الاجتماعية في عدد من أقاليمها الداخلية. هذا يتطلب التركيز على العدالة المجالية وضمان توزيع عادل للموارد وفرص الاستثمار بين المركز والأطراف.
  • تعقيدات التدبير المحلي: تتسم الجهة بـصعوبة التنسيق بين الجماعات الترابية، وتداخل المصالح، والبطء في تنفيذ المشاريع الكبرى. هذا المناخ الإداري المعقد هو ما أدى إلى تراكم الملفات العالقة وتأجيل القرارات التنموية الحاسمة.

 قدرات الوالي الجديد.. منهجية “الجراح الباطني”

يُطلب من الوالي الجديد، البروفيسور آيت الطالب، أن ينقل فلسفة عمله كجراح وخبير إلى قاعة الولاية. خبرته كمختص في الجراحة الباطنية عبر تقنية المجهر، وكمدير سابق لـالمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس (CHU)، توفر له أدوات ومنهجية عمل فريدة:

  • المقاربة التشريحية الدقيقة: الجراح لا يكتفي بعلاج الأعراض؛ بل يسعى لـتشخيص السبب الجذري للمرض. على الوالي أن يطبق هذه المقاربة في تحليل المشكلات التنموية، وتحديد العوائق بدقة متناهية (بـ”المجهر”)، والكشف عن بؤر الفساد وسوء التدبير التي تعيق نمو الجهة.
  • العمليات الجراحية الحاسمة: الجهة لا تحتاج إلى حلول ترقيعية أو مسكنات، بل إلى “عمليات جراحية حاسمة” تتطلب قرارات قوية وموجهة. يجب على الوالي أن يستخدم سلطته لتسريع وتيرة المشاريع المتوقفة، وتفعيل الاستثمار، وتبسيط المساطر، حتى لو استدعى الأمر “استئصال” العوائق البيروقراطية.
  • التركيز على الاستثمار في “الرأسمال البشري”: بصفته طبيباً ومسؤولاً سابقاً عن الصحة، يجب أن تكون الأولوية القصوى لآيت الطالب هي الاستثمار في الإنسان، من خلال تحسين جودة خدمات الصحة والتعليم و التشغيل  ومحاربة الفساد، باعتبارهما مفتاحي أي تنمية مستدامة وحقيقية في الجهة.

 التوقعات والتحديات.. هل ينجح “مشرط الإنعاش”؟

التكليف الممنوح للبروفيسور آيت الطالب هو إقرار ضمني بأن التدبير الإداري التقليدي لم يعد كافياً لهذه الجهة. التحدي الآن هو مدى قدرة الوالي الجديد على ترجمة كفاءته العلمية والوطنية إلى دينامية جهوية ملموسة:

  • تفعيل الشراكة والالتقائية: يجب أن يعزز آيت الطالب التنسيق بين مختلف المصالح اللامركزية والمجالس المنتخبة والقطاع الخاص، لضمان أن جميع الفاعلين يعملون بهدف موحد ووفق رؤية واضحة وموحدة للتنمية الجهوية.
  • إعادة الاعتبار للتراث والاقتصاد المحلي: يجب أن يركز على استغلال الإمكانات الهائلة للمدينة القديمة بفاس في خلق الثروة وفرص العمل، عبر مخططات متكاملة للسياحة الثقافية والصناعة التقليدية.
  • مواجهة المقاومة: لا تخلو أي عملية إصلاح عميقة من مقاومة من المستفيدين من الوضع القائم. سيكون على الوالي استخدام حزمه المعروف لـتجاوز هذه المقاومة، وضمان تطبيق القانون وتكافؤ الفرص.

و يمثل تعيين البروفيسور خالد آيت الطالب رسالة أمل لجهة فاس-مكناس. إنه ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل هو تغيير في المنهجية والمقاربة. الأمل معقود على “جراح الأمة” بأن ينجح في إجراء “العملية التنموية الكبرى” للجهة، متمسكاً بدقة المجهر، وحسم المشرط، وخبرة القائد في الأزمات، ليعيد لهذه الجهة العريقة مكانتها كقاطرة للتنمية الشاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى