جدل جمعوي واسع حول مشاورات إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية

تعيش الساحة الجمعوية في مختلف الجهات على وقع جدل واسع، بعدما فجّرت عدة جمعيات وإطارات مدنية سلسلة من البلاغات الغاضبة، تتهم فيها الجهات المنظمة لمشاورات إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية بـ“الإقصاء” و”الانتقاء غير المفهوم” للمشاركين.
فخلال الأيام الأخيرة، انتشرت بيانات عديدة تتحدث عن تغييب واضح لعدد من التنظيمات الجمعوية والمهنية التي لم تتحصل على أي استدعاء لحضور الاجتماعات التشاورية، رغم أن هذه اللقاءات تُعد محطة أساسية في رسم ملامح التنمية المحلية الجديدة.
احتجاجات متزايدة.. والحسيمة في الواجهة
وفي مقدمة المحتجين، ست جمعيات مهنية من إقليم الحسيمة التي أعربت عن أسفها الكبير لعدم استدعائها للقاء التشاوري المنعقد يوم 12 نونبر. موقف تبنّته أيضاً جمعيات مدنية أخرى، من بينها “أمازيغ صنهاجة الريف” وجمعيات بيئية وحقوقية بمناطق مختلفة، عبّرت كلها عن استغرابها لغيابها عن مشاورات يفترض أن تكون مفتوحة وواسعة.
مشاورات بإشراف مركزي.. وأسئلة حول الشمولية
المشاورات انطلقت منذ بداية نونبر تحت إشراف وزارة الداخلية، بهدف صياغة مشاريع تنموية دقيقة تستجيب لحاجيات كل إقليم، في أفق انطلاقة فعلية مع السنة المقبلة. لكن هذا المسار، الذي يفترض أن يعكس روح الديمقراطية التشاركية، اصطدم بموجة من الانتقادات التي تعتبر أن إشراك الفاعلين المدنيين لم يكن شاملاً كما يجب.
“جمعيات تتكاثر كالفطر”.. وانتقادات لمسار العمل المدني
شريف أدرداك، رئيس “أمازيغ صنهاجة الريف”، عبّر عن استغرابه الشديد لعدم استدعاء جمعيته، مؤكداً أن الأمر لا يخص إقليماً واحداً وإنما يتكرر في مناطق أخرى. وأشار إلى أن الظاهرة تكشف أزمة بنيوية داخل الحقل الجمعوي نفسه، حيث “باتت الجمعيات تتكاثر كالفطر، دون أن تقوم بدورها الحقيقي في التشخيص والمراقبة والترافع”.
وانتقد أدرداك بحدة حضور بعض الجمعيات “الصورية” في الأنشطة الرسمية فقط، بينما تغيب عن القضايا الجوهرية المرتبطة بتقدير احتياجات الساكنة وإعداد التقارير الجدية.
الديمقراطية التشاركية بين النص والتطبيق
خبراء في الشأن العام يؤكدون أن المشاورات الترابية ليست مجرد لقاءات تقنية، بل تمثل أحد أعمدة الديمقراطية التشاركية التي ينص عليها دستور البلاد. وبالتالي، فإن افتقادها للشمولية الكاملة يفرغها من معناها ويحوّلها إلى مجرد إجراءات بروتوكولية تُنتج برامج برؤية واحدة.
ويشدد هؤلاء على أن الجمعيات الفاعلة مطالبة أيضاً بالتحرك المسبق والتواصل المباشر مع الجهات المنظمة لإثبات حضورها، بدل الاكتفاء بانتظار الدعوات.
رهانات المرحلة المقبلة
وتتجه الأنظار اليوم نحو ما ستفرزه هذه المشاورات من توصيات ومشاريع، وسط توقعات بأن تعيد هذه الانتقادات رسم قواعد المشاركة المدنية، وأن تدفع نحو مقاربة أكثر انفتاحاً وتوازناً في إعداد البرامج التنموية الترابية.
ففي وقت ترتفع فيه الأصوات المطالبة بالشفافية والشمولية، يبدو أن نجاح الجيل الجديد من برامج التنمية مرتبط أساساً بقدرة المؤسسات على إشراك كل الفاعلين الحقيقيين، بعيداً عن الانتقاء والرمزية الشكلية.






