تاونات في قلب العاصفة… وعمالة الإقليم تتحول إلى “خلية لا تنام” لمواجهة التساقطات وإفشال تجارة الأزمات

رغم قساوة التساقطات المطرية الأخيرة وما خلفته من فيضانات وانجرافات بعدد من جماعات إقليم تاونات، تواصل سلطات عمالة الإقليم رفع درجة التأهب والاستنفار، في مشهد ميداني يعكس انتقال الإدارة الترابية من منطق التدخل الظرفي إلى التدبير الاستباقي، ومن العمل المكتبي إلى المواكبة اليومية الدقيقة لكل تطور طارئ، تحسبًا للتساقطات المرتقبة وتداعياتها المحتملة.
ومنذ الساعات الأولى لاضطراب الأحوال الجوية، تحولت اللجنة الإقليمية لليقظة، تحت الإشراف المباشر لعامل إقليم تاونات عبد الكريم الغنامي، إلى خلية يقظة دائمة، لا تعرف توقفًا ولا تراخيًا، تواكب الوضع الميداني لحظة بلحظة، وتفعل الاستجابة الفورية لكل نداء استغاثة، واضعة حماية الأرواح وتأمين سلامة المواطنين في صدارة الأولويات.
700 تدخل ميداني… أرقام تعكس حجم التعبئة
وحسب معطيات رسمية، بلغ عدد التدخلات والعمليات التي باشرتها اللجنة الإقليمية لليقظة منذ بداية التساقطات المطرية الغزيرة إلى غاية 7 فبراير 2026 حوالي 700 تدخل وعملية، في إطار تنزيل مخطط العمل الإقليمي للتخفيف من آثار موجة البرد والتقلبات المناخية، تنفيذًا للتعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وتفعيلًا لدورية وزارة الداخلية بشأن المخطط الوطني الشامل للوقاية من الفيضانات.
هذه الحصيلة، وإن كانت أولية ومؤقتة، تعكس حجم الجهد المبذول ودرجة التنسيق العالية بين مختلف المتدخلين، من سلطات محلية ومصالح أمنية وتقنية، في ظرفية مناخية دقيقة تتطلب سرعة القرار ودقة التنفيذ.
إغاثة 230 أسرة… الإنسان أولًا
في محور إغاثة الأشخاص والأسر المهددة، تمكنت السلطات من التدخل لفائدة 230 أسرة، تضم 901 فردًا، تضررت مساكنها جزئيًا أو كليًا، أو كانت مهددة بالانهيار أو بالغمر نتيجة ارتفاع منسوب مياه الأودية والشعاب.
وشملت التدخلات توفير خيام للإيواء المؤقت، إلى جانب تعبئة مرافق عمومية ومراكز للرعاية الاجتماعية، خاصة بباشوية قرية أبا محمد، في تجسيد عملي لثقافة التضامن والتكافل التي تميز المجتمع المغربي، والتي تشكل أحد مرتكزات التدبير الترابي في زمن الأزمات.
فتح المحاور الطرقية… فك العزلة أولوية
أما على مستوى فك العزلة وإعادة فتح الطرق، فقد تم إنجاز أزيد من 345 تدخلًا، همّت 282 مقطعًا طرقيًا، شملت الطرق الجهوية والإقليمية والمسالك القروية، عبر تنقية القارعة من الأوحال والأتربة، وإزاحة الأحجار، وإعادة شحن المقاطع المتضررة بالحصى، في سباق مع الزمن لإعادة ربط المناطق المعزولة بمحيطها الطبيعي والاقتصادي.
إعادة الخدمات الحيوية… كهرباء وماء وتطهير
ولم تتوقف التعبئة عند الطرق فقط، بل شملت إصلاح الشبكات الحيوية.
ففي ما يخص الماء الصالح للشرب، أنجزت المديرية الإقليمية للشركة الجهوية متعددة الخدمات لجهة فاس–مكناس أكثر من 30 تدخلًا لإصلاح القنوات المتضررة.
أما الكهرباء، فقد تم تنفيذ 25 تدخلًا مستعجلًا لتعويض الأعمدة والمحولات المتضررة وإعادة التيار الكهربائي في أقرب الآجال.
وفي مجال التطهير السائل، سُجلت أكثر من 40 عملية شملت مختلف باشويات الإقليم، استُخدمت فيها شاحنات متخصصة لتنقية قنوات الصرف والبالوعات، تفاديًا لأي اختناق أو فيضان حضري.
تنسيق محكم… وحضور ميداني دائم
وقد تمت هذه العمليات بفضل تظافر جهود السلطات المحلية، ممثلة في الباشوات ورؤساء الدوائر والقواد وخلفائهم، مدعومين بالمصالح الأمنية (الأمن الوطني، الدرك الملكي، القوات المساعدة، الوقاية المدنية)، إلى جانب مصالح التجهيز والنقل، والجماعات الترابية، ومجموعة الجماعات “التعاون”، فضلًا عن تعبئة آليات ثقيلة ولوجستيكية متعددة.
في مواجهة “تجار الأزمات”
وفي مقابل هذا الجهد الميداني الجاد، تبرز – للأسف – محاولات معزولة لبعض تجار السياسة والأزمات، الذين يحاولون التشويش وبث الهلع وركوب موجة الكوارث الطبيعية لتحقيق مكاسب ضيقة، عبر تدوينات مضللة وخطاب تحريضي لا يخدم سوى الفوضى. وهي ممارسات يرفضها المغاربة جملة وتفصيلًا، خصوصًا في لحظات المحن التي تستدعي التلاحم لا المزايدة.
فالساكنة، كما تؤكد الوقائع على الأرض، تضع ثقتها الكاملة في الدولة ومؤسساتها، وفي السلطات الترابية التي أثبتت مرة أخرى أن التدبير الهادئ والمسؤول، القائم على القرب والجاهزية، هو السبيل الأنجع لمواجهة الكوارث الطبيعية وتقليص آثارها.
تعبئة مستمرة… واليقظة متواصلة
وتؤكد عمالة إقليم تاونات أن هذه الحصيلة تبقى مرحلية، وأن السلطات المحلية وأعضاء اللجنة الإقليمية لليقظة سيظلون معبّئين وعلى أهبة الاستعداد للتدخل الفوري كلما اقتضت الضرورة، حماية للأرواح والممتلكات، في انتظار تحسن الظروف الجوية.
وفي زمن الاختبارات الكبرى، تثبت تاونات أن الدولة حاضرة في الميدان، وأن المسؤولية لا تُقاس بالشعارات، بل بالفعل، وبالعمل الصامت حين تعلو أصوات العواصف.






