تاونات تستقبل عاملها الجديد بتطلعات كبيرة… تحديات التنمية المجالية على طاولة “الغنامي” بعد تنصيبه رسميًا

أُقيم بعد زوال اليوم السبت، بقاعة عمالة إقليم تاونات، حفل رسمي لتنصيب المسؤول الترابي الجديد، عبد الكريم الغنامي، الذي أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس مرسوم تعيينه عاملاً على الإقليم، وبين سلفه، السيد سيدي صالح داحا، والذي تمّ ترقيته إلى منصب عامل إقليم الجديدة، على أن يتم تنصيبه يوم الإثنين المقبل ، و ترأس حفل التنصيب وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة و والي جهة فاس مكناس خالد آيت طالب ، وحضور لافت لعدد من المنتخبين، ورؤساء المصالح الخارجية، والفعاليات الجمعوية، وساكنة الإقليم، عبّروا فيها عن الامتنان لمسيرة العامل المنتهية، وترقبوا الواعدة لمسار العامل الجديد.
لم يكن حفل توديع سيدي صالح داحا مجرد تبديل للمنصب، بل تجسيداً لتقدير شعبي ورسمي لمسيرة استمرت نحو سبع سنوات منذ 2018، بقي خلالها الرجل مدركاً لتحديات طبيعة الإقليم الخصبة لكنها الصعبة، مقدّماً ما أمكن من أداء يُقرّب الإدارة من المواطن، ويرسّخ مبدأ القرب والاستماع.
ومن أبرز ما يُستحق التذكير به في هذه المحطة:
-
فكّ العزلة المجالية: إذ ساهم داحا في تسريع وتيرة إنجاز العديد من المسالك والطرق القروية الحيوية، من بينها الطريق الإقليمية رقم 5310، التي شكّلت شرياناً لفكّ العزلة عن مناطق جبلية ووعرة.
-
تعزيز البنية الاجتماعية: من خلال اشتغاله على مشاريع تأهيل المدارس والمراكز الصحية بالوسط القروي، ودعم مبادرات الأمومة والصحة المتنقلة – في إقليم يعرف تفاوتات مجالية واضحة.
-
تبنّي مقاربة تشارُكية: اعتماده نهجاً إدارياً يجمع بين الصرامة والمرونة، والتنسيق المستمر مع المنتخبين والمجتمع المدني، ساعد على تفعيل برامج مركزية مثل برنامج «أوراش» محلياً، وعزّز منسوب الثقة في الإدارة الترابية.
لا شك أن العامل المنتهى مهامه يرحل إلى تجربة وظيفية جديدة، بعد أن رسّخ في تاونات إرثاً يُحسب له، ليترك للمسلسل التنموي في الإقليم منطلقاً يستحق البناء عليه.
مع وصول العامل الجديد عبد الكريم الغنامي، القادم من عمالة الدار البيضاء، يُفتتح فصل جديد في تاريخ إقليم تاونات. في كلمته باسم وزارة الداخلية، وجه السيد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، رسالة قوية إلى السلطة الجديدة، محورها الثوابت التالية:
-
التنمية المجالية والعدالة الترابية: وجّه العامل الجديد لقيادة ورش مندمج بالتراب، يركز على توزيع عادل للمشاريع، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكان الإقليم، لا سيما في الوسط القروي والنائي.
-
تشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل: إذ دُعو إلى تسريع خلق أجواء ملائمة للمستثمرين والشباب، مع التنسيق المحكم مع المصالح الخارجية والمنتخبين لإزالة العوائق الإدارية.
-
التركيز على تمكين الشباب: ربطت التوجيهات الملكية توجيه الاهتمام الأول بملف الشباب، إدماجهم، وتوفير البنيات اللازمة، وهو ما صار مطلباً محورياً في المرحلة القادمة.
-
التعاون مع المنتخبين: تؤكد الرسالة على ضرورة تفاعل كافة المنتخبين ورؤساء الجماعات الترابية مع العامل الجديد، في روح شراكة فعلية، لإدماج الرؤية المحلية في الاستراتيجية الإقليمية.
الواضح أن المهمة أمام الغنامي ليست تفصيلاً إدارياً روتينياً، بل هي ورشة لتثبيت دينامية جديدة في إقليم يتمتع بموارد طبيعية معتبرة، لكنه يواجه أيضاً تحديات جغرافية، وانعداماً نسبياً في بعض البنى التحتية، وتفاوتاً بين الوسط الحضري والقروي.
يقع إقليم تاونات ضمن جهة فاس‑مكناس، ويتميّز بموقع في سفوح جبال الريف الجنوبية. تُشير المعطيات إلى أن الإقليم ذو بعد طبيعي وجغرافي خاص، يجمع بين الزراعة، والتضاريس الجبلية، والمجالات القروية الواسعة.
أما الإحصائيات فتدلّ على أن الإقليم يشهد تراكمات بشرية مهمّة، وحاجة ملحّة للتنمية المتوازنة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في تجاوز العزلة الجغرافية، وإحداث البنى التحتية الحيوية التي تمكّن السكّان من الولوج إلى الخدمات، وتعزّز قدراتهم على المساهمة في التنمية المحلية. وهذا ما حرص عليه العامل المستقيل، وعلى العامل الجديد أن يبني عليه.
انطلاقاً من ما سبق، تبدو خارطة الطريق المقبلة لإقليم تاونات كالتالي:
-
استكمال وشدّ وتيرة البنيات التحتية القروية: الطرق، الماء، الكهرباء، تجسير الفوارق بين الجماعات.
-
تنمية القدرات البشرية والمجتمعية: عبر دعم التعليم، الصحة، وتمكين المرأة والشباب، وتحسين مؤشرات التشغيل المحلي.
-
تحفيز الاستثمار المحلي: يجب فتح المجال أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الزراعية والصناعية، مع تشجيع المبادرات الذاتية للشباب.
-
تعزيز الحكامة الترابية: توسيع المشاركة، إشراك المجتمع المدني، والمنتخبين، وضمان الشفافية والمساءلة في تدبير الموارد.
-
التركيز على الزراعة والموارد الطبيعية: نظراً لما يتميز به الإقليم من تراب خصب، يمكن تعزيز سلاسل الإنتاج والتصدير الزراعي، كما ورد في وصف المنطقة كواحدة من المناطق الفلاحية.
-
التواصل والتقارب مع المواطن: فتح قنوات للاستماع المباشر، وتحسين جودة الخدمات العمومية، فالإحساس بالمواطن بأنه فاعل وليس فقط مستقبلاً للتنمية يصنع الفارق.
ما تركه داحا من إرث ليس مجرد إنجازات بنيوية، بل أيضاً إرساء لثقافة إدارة القرب والتشارُك، وهو ما يعطي انطلاقة جيدة للعامل الجديد. وفي الوقت نفسه، فإن هذه اللحظة تمثّل منعرجاً، إذ أن المرحلة الجديدة تتطلّب أجوبة مبتكرة لتحديات كانت تُراكم سابقاً.
إن نجاح المسار لن يُقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة، بل بمدى إحساس المواطن «البسيط» في دوّار أو جماعة نائية بأنه جزء من هذا العمل، وبأن الإدارة وكأنها «إدارة الوطن» وليست مجرد إدارة مركزية.
كما أن زمن التغيّرات الكبرى محلياً يتطلّب جرأة في اتخاذ القرارات، وكلفة ممكنة للتجديد. من الرهان أن العامل الجديد، مستندا إلى خبرته، وإلى الدعم المؤسسي، والاختيارات الملكية، سيعمل على تثبيت دينامية فعلية للتنمية الشاملة والمستدامة في تاونات.
بأصالة الحفل، وبما سجّله من رمزية في التغيير، يدخل إقليم تاونات مرحلة جديدة تحت قيادة عبد الكريم الغنامي، مستفيدة من مسار سبقه و خارطة طريق حافلة بالإنجازات ، ومتطلّعة إلى مستقبل تُجسّد فيه العدالة الترابية، ويرتقي فيه حضور المواطن إلى محور عملية البناء.
في هذا الإقليم الذي يتميز بجغرافيته وتاريخه، يبرز الخيار الأكثر وضوحاً: أن يتغيّر نمط التنمية لا أن يُستبدل فحسب، وأن يشعر المواطن في أعماقه بأنه شريك في القرار، وليس فقط مستفيداً من خدمة. هذه هي الرسالة التي يحملها التعيين، وهذه هي التحديات التي تنتظر القيّمة عليه.






