سياسة

المنصوري تواجه المعارضة بمجلس المستشارين: «النزاهة خط أحمر».. والأحرار يتهمون حكومتها باستنساخ سياسات أخنوش

تحولت جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، المنعقدة يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، إلى أول مواجهة سياسية بارزة بين رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري والمعارضة، بعدما وضعت الانتقادات التي وجهها فريق التجمع الوطني للأحرار وعدد من المستشارين مضامين البرنامج ووعوده الاجتماعية والاقتصادية أمام اختبار التنفيذ والتمويل والجدولة الزمنية. وفي المقابل، دافعت المنصوري عن اختيارات حكومتها، مؤكدة أن برنامجها يستند إلى إجراءات عملية وموارد مالية، وأن محاربة تضارب المصالح وصون النزاهة المؤسساتية يشكلان ركيزتين أساسيتين في المرحلة المقبلة.

المنصوري ترفض اختزال البرنامج الحكومي في إعلان النوايا

في معرض ردها على مداخلات الفرق والمجموعات البرلمانية، شددت رئيسة الحكومة على أن الحكومة التي تقودها «سياسية بامتياز»، مستحضرة المسارات الحزبية والنضالية لأعضائها، ومعتبرة أن الاختلاف في المرجعيات لا يلغي إمكانية بناء تحالف قادر على تحمل المسؤولية وتدبير الملفات المطروحة.

وأكدت المنصوري أن الالتزامات الحكومية لا تقتصر على إعلان النوايا، بل تستند إلى إجراءات وصفتها بالفعلية والواقعية، مدعومة بأرقام وتمويل حقيقي، مشيرة إلى أن إعداد البرنامج استند إلى الإنصات للمواطنين والتواصل معهم على المستوى الترابي، ولا سيما بشأن أوضاع الشباب والمسنين والنساء والقدرة الشرائية.

وفي الشق المالي، دافعت رئيسة الحكومة عن ضرورة احترام الآجال القانونية المرتبطة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 وإيداعه لدى مجلس النواب، رافضة اعتبار المصادقة الحكومية عليه قبل استكمال المسار البرلماني للبرنامج الحكومي خرقا دستوريا. واستندت في تبريرها إلى مقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية، الذي يحدد يوم 20 أكتوبر موعدا أقصى لإيداع المشروع.

كما ربطت المنصوري نجاح البرنامج بقدرة الحكومة على الانتقال من الوعود إلى النتائج الملموسة، معتبرة أن المغرب يتوفر على مؤهلات بشرية وطبيعية وإمكانات اقتصادية تسمح برفع سقف الطموحات، شريطة حسن توظيف الموارد المتاحة وتحويلها إلى مشاريع تستجيب لانتظارات المواطنين.

النزاهة وتضارب المصالح في صلب المواجهة السياسية

ومن أبرز الملفات التي حضرت في ردود رئيسة الحكومة قضية تخليق الحياة العامة ومحاربة تضارب المصالح، في سياق الجدل الذي رافق إعفاء مسؤولين من مناصبهم خلال بداية الولاية الحكومية الجديدة.

ودافعت المنصوري عن القرارات المتخذة في هذا الإطار، معتبرة أن تحمل المسؤولية السياسية يقتضي اتخاذ قرارات واضحة عند الاقتضاء، بدل التردد في مواجهة الاختلالات. وشددت على رفضها للشبهات المرتبطة بتدبير الشأن العام، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى التصدي للأخبار الزائفة والإشاعات والاتهامات غير المؤسسة.

كما حذرت من تنامي خطاب التحريض والتيئيس في النقاش العمومي، معتبرة أن الاختلاف السياسي ينبغي أن يظل قائما على الحوار والإنصات وتقديم البدائل، لا أن يتحول إلى وسيلة لنشر العداء بين المغاربة أو ضرب الثقة في المؤسسات.

وربطت رئيسة الحكومة هذا الموقف بوضعية الشباب، مشددة على أن المغرب في حاجة إلى طاقاته ومبادراته، وأن الخطاب السياسي مطالب بفتح آفاق المشاركة والأمل، بدل تكريس الإحباط والشعور بانسداد المستقبل.

الأحرار يعلنون معارضة قوية ويتهمون الحكومة باستنساخ اختيارات أخنوش

في المقابل، اتخذت مداخلة محمد البكوري، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، منحى نقديا واضحا، بعدما اعتبر أن البرنامج الحكومي الجديد لا يقدم تغييرا جوهريا في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، بل يواصل عددا من المشاريع والإصلاحات التي أطلقتها الحكومة السابقة بقيادة عزيز أخنوش.

وانتقد البكوري ما وصفه بغلبة الأهداف العامة والشعارات على الإجراءات المحددة والمؤشرات الرقمية القابلة للقياس، متسائلا عن طبيعة المشروع السياسي والاقتصادي المشترك الذي يجمع مكونات الأغلبية الحالية، وعن مدى انعكاس تغيير التحالفات على السياسات العمومية.

وشدد الفريق التجمعي على أن وصف الحكومة لنفسها بأنها حكومة سياسية لا يكفي، في غياب رؤية واضحة تحدد ما ستواصل الحكومة تنفيذه من برامج سابقة وما ستعمل على تغييره، إلى جانب توضيح مصادر التمويل والمسؤوليات والآجال الزمنية المرتبطة بكل التزام.

وفي الملف الاجتماعي، أثار البكوري مسألة الدعم الاجتماعي المباشر، منتقدا ربط الرفع من قيمته من 500 إلى 1000 درهم بنهاية الولاية الحكومية، ومعتبرا أن توقيت تنفيذ هذا التعهد يحتاج إلى توضيح. كما طالب بتحديد جدول زمني لإصلاح أنظمة التقاعد، محذرا من أن تأجيل القرارات الضرورية قد يزيد من كلفتها الاقتصادية والاجتماعية.

وأعلن رئيس الفريق التجمعي أن حزبه سيتجه إلى ممارسة معارضة قوية وبناءة، تقوم على مراقبة الأداء الحكومي ومساءلة المسؤولين وتقديم البدائل، داعيا المنصوري إلى التعامل مع الانتقادات باعتبارها جزءا من الممارسة الديمقراطية، لا عائقا أمام الإصلاح.

القدرة الشرائية والتشغيل والتقاعد.. اختبار الوعود الحكومية

ولم تنحصر الانتقادات في موقف التجمع الوطني للأحرار، إذ دعت مداخلات فرق ومجموعات برلمانية أخرى إلى إعطاء الأولوية للانتظارات الاجتماعية، وتوضيح آليات تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالتشغيل وتحسين الدخل والحماية الاجتماعية.

وأكدت هذه المداخلات ضرورة اتخاذ تدابير أكثر فعالية لحماية القدرة الشرائية، وتيسير الولوج إلى التغطية الصحية، وتحسين أوضاع المرأة العاملة، وتسريع إصلاح أنظمة التقاعد، مع تعزيز الحوار الاجتماعي وإشراك النقابات في إعداد القرارات والتشريعات التي تمس عالم الشغل.

وفي المقابل، نوهت مكونات الأغلبية بأولويات البرنامج الحكومي، داعية إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية والمجالية، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، وتحسين جودة الخدمات العمومية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

وتبرز هذه المواقف أن الخلاف داخل المجلس لا يتعلق فقط بتقييم النوايا الحكومية، بل يمتد إلى مدى قدرة البرنامج على تقديم أجوبة دقيقة عن البطالة وغلاء المعيشة وجودة التعليم والصحة، فضلا عن تحديد الموارد والآجال اللازمة لتنفيذ الالتزامات المعلنة.

تمويل يناهز 390 مليار درهم والتزامات اجتماعية تحت المجهر

في دفاعها عن البرنامج، قدمت المنصوري صورة لحكومة تراهن على تعبئة الاستثمار والموارد المالية لتنفيذ أوراشها الاجتماعية والاقتصادية، مع الإعلان عن خطة تمويلية تناهز 390 مليار درهم، وتخصيص 50 مليار درهم لتمويل مخرجات الحوار الاجتماعي برسم سنة 2027.

كما عرضت الحكومة توجهات تروم رفع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء من 17 في المائة إلى 21.2 في المائة، إلى جانب تبسيط المساطر الإدارية وتحسين مناخ الاستثمار، من خلال التوجه نحو تقليص منطق التراخيص المسبقة وتعويضها، في بعض المجالات، بدفاتر التحملات، مع تسريع الرقمنة ومحاربة الامتيازات غير المستحقة.

وتضع هذه الأهداف الحكومة أمام تحدي التوفيق بين طموح الإنفاق الاجتماعي ومتطلبات التوازنات المالية، خصوصا في ظل المطالب المتعلقة بالتشغيل وتحسين الخدمات العمومية وإصلاح أنظمة التقاعد. كما تطرح أسئلة بشأن توزيع الموارد على القطاعات والمجالات الترابية، ومدى قدرة التمويلات المعلنة على إحداث أثر ملموس في حياة الأسر والمقاولات.

من مواجهة الخطاب السياسي إلى امتحان النتائج

وتكشف جلسة مجلس المستشارين عن بداية مرحلة جديدة من المواجهة بين الحكومة والمعارضة، بعدما انتقل التجمع الوطني للأحرار من موقع قيادة الحكومة السابقة إلى موقع مساءلة خلفه، واضعا استمرارية السياسات العمومية في قلب النقاش، بينما تسعى المنصوري إلى تقديم حكومتها باعتبارها تحالفا سياسيا جديدا يمتلك برنامجا وآليات للتنفيذ.

وبين دفاع رئيسة الحكومة عن النزاهة والتمويل والواقعية، وانتقادات المعارضة بشأن غياب الدقة في بعض الالتزامات واستمرار اختيارات سابقة، يبقى الاختبار الحقيقي مرتبطا بما ستنجح الحكومة في إنجازه على أرض الواقع.

فالمواطنون لا ينتظرون فقط أرقاما مالية أو أهدافا بعيدة المدى، بل نتائج قابلة للقياس في التشغيل والدخل والصحة والتعليم والسكن والقدرة الشرائية. ومن هنا، فإن التحدي أمام حكومة المنصوري يتمثل في تحويل برنامجها إلى تعاقد عملي واضح الآجال والمسؤوليات، فيما سيكون على المعارضة إثبات قدرتها على ممارسة رقابة مؤسساتية منتجة تتجاوز تسجيل المواقف السياسية إلى مساءلة الحكومة بالأرقام والبدائل.

وبذلك، لم تكن جلسة الأربعاء مجرد محطة إجرائية لمناقشة البرنامج الحكومي، بل اختبارا مبكرا لطبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وحدود الاستمرارية والتغيير في السياسات العمومية، ومدى قدرة الحكومة الجديدة على إقناع الرأي العام بأن وعودها ستتحول إلى نتائج ملموسة خلال الولاية الممتدة من 2026 إلى 2031.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى