بغلاف مالي يتجاوز 4.3 ملايين درهم.. الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس تطلق ورشا لتأهيل شبكة الماء بالمدينة العتيقة

تستعد المدينة العتيقة بفاس لاحتضان ورش جديد لتقوية وإعادة تأهيل شبكة توزيع الماء الصالح للشرب، تقوده الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس، بغلاف مالي تقديري يتجاوز 4.34 ملايين درهم، في مشروع يستهدف تجديد أجزاء من البنية التحتية المائية بالقطاع الغربي للمدينة العتيقة، وتحسين مردودية الشبكة وتعزيز شروط سلامة المياه الموجهة إلى السكان.
ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى خصوصية النسيج العمراني للمدينة العتيقة، حيث تتداخل الأزقة الضيقة والممرات التاريخية مع شبكات تحت أرضية يعود بعضها إلى فترات طويلة، ما يجعل عمليات التدخل والصيانة والتجديد أكثر تعقيدا من الأوراش المنجزة بالمناطق الحضرية الحديثة. وتبرز الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس، من خلال هذه العملية، باعتبارها الجهة المشرفة على تحديث الشبكات وتدبير خدمات الماء والتطهير السائل ضمن مجال تدخلها بالجهة.
وحسب المعطيات المنشورة بشأن المشروع، فإن البرنامج يستهدف تجديد نحو 2271 مترا من قنوات توزيع الماء الصالح للشرب، مع مدة إنجاز متوقعة تصل إلى خمسة أشهر. وتبلغ الكلفة التقديرية للعملية 4 ملايين و344 ألفا و66 درهما، فيما تشير بيانات طلب العروض المتاحة إلى إسناد الصفقة بمبلغ إجمالي يناهز 4 ملايين و192 ألفا و149 درهما، لفائدة شركة تشيسا نورد، وهو ما يجعل التمييز ضروريا بين الميزانية التقديرية والكلفة المعلنة للصفقة بعد الإسناد.
ولا يقتصر المشروع على استبدال القنوات القديمة بأخرى جديدة، بل يشمل مجموعة من التدخلات التقنية الرامية إلى تحسين أداء الشبكة والحد من الاختلالات المرتبطة بالتوزيع والضغط والتسربات. وتشمل الأشغال تركيب أنابيب من مادة البولي فينيل كلوريد القادرة على تحمل ضغط يصل إلى 16 بارا، إلى جانب استخدام أنابيب من الحديد المرن في المقاطع التي تستدعي مقاومة ميكانيكية أكبر، وفق طبيعة الموقع ومتطلبات التنفيذ.
وتتضمن العملية كذلك تحديث تجهيزات التحكم في ضغط المياه ومراقبة تدفقها، من خلال تركيب جهاز لتنظيم الضغط ونحو 20 تجهيزا من الصمامات ومعدات التحكم، فضلا عن عدادات كهرومغناطيسية مرتبطة بأنظمة لنقل المعطيات عن بعد. ومن شأن هذه التجهيزات، عند تشغيلها واستثمار بياناتها بالشكل المطلوب، أن تساعد على رصد الاختلالات بصورة أسرع، وتحسين تتبع التدفقات، ودعم التدخلات التقنية الرامية إلى تقليص ضياع المياه.
ويأتي هذا الورش في سياق تقارير تحدثت عن اختلالات طالت بعض أجزاء شبكة التوزيع بالمدينة العتيقة، من بينها ملاحظات بشأن تغير لون المياه وانبعاث روائح غير طبيعية في بعض المواقع، إلى جانب مخاوف مرتبطة بتقادم القنوات وتقارب بعض مساراتها مع شبكات التطهير السائل، واحتمال وجود تسربات أو اختلالات في بعض نقاط الربط. غير أن تحديد طبيعة هذه الاختلالات ومدى ارتباطها بتلوث المياه يظل رهينا بنتائج الفحوص والتحاليل التقنية والصحية، ولا يمكن اعتبار هذه الملاحظات وحدها دليلا قاطعا على تلوث مياه الشبكة.
ومن هنا تبرز أهمية التدابير المرتبطة بمراقبة جودة المياه قبل إعادة تشغيل المقاطع التي ستخضع للتجديد. إذ تتضمن المعطيات المنشورة إخضاع القنوات الجديدة لاختبارات للتحقق من إحكامها وقدرتها على تحمل الضغط، وصولا إلى اختبار يصل إلى 20 بارا، فضلا عن تنظيفها وتعقيمها باستعمال مياه معالجة بالكلور لمدة لا تقل عن 24 ساعة. كما يرتبط الربط النهائي للشبكة المجددة بنتائج التحاليل البكتريولوجية ومدى مطابقتها للمعايير المعتمدة، مع الإشارة إلى إجراء الفحوص بواسطة مختبرات مستقلة ومعتمدة.
وتفرض طبيعة المدينة العتيقة، بما تتسم به من أزقة ضيقة وصعوبة ولوج الآليات إلى عدد من الممرات، اعتماد أساليب تنفيذ تتلاءم مع الخصوصية العمرانية للمجال. ولهذا يتضمن المشروع أشغالا للحفر اليدوي في المواقع التي يتعذر فيها استخدام المعدات، إلى جانب حفر بحجم إجمالي يقارب 2600 متر مكعب، ومد نحو 120 مترا من القنوات بتقنية الحفر الأفقي الموجه، التي تسمح بتجاوز بعض المحاور الحساسة دون اللجوء إلى فتح خنادق متواصلة على امتدادها.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية إضافية بالنسبة إلى الساكنة والتجار، بالنظر إلى أن الأشغال داخل المدينة العتيقة قد تؤثر، إذا لم يجر تنظيمها بعناية، في حركة الراجلين والولوج إلى المحلات والمنازل، فضلا عن انعكاساتها المحتملة على الأنشطة التجارية اليومية. لذلك تظل كيفية تدبير مراحل الورش، وتأمين الممرات، والإخبار المسبق بأي تدخلات قد تؤثر في التزويد بالماء، عناصر أساسية في قياس جودة التنفيذ إلى جانب المؤشرات التقنية.
وفي الجانب المرتبط بالمحافظة على التراث العمراني، يتضمن البرنامج إعادة تأهيل المساحات التي ستتضرر بفعل الأشغال، من خلال إصلاح أكثر من 1600 متر مربع من الممرات ذات التغطية الخرسانية، وإعادة تهيئة نحو 174 مترا مربعا من الأرضيات الحجرية التقليدية، مع إعادة استعمال الأحجار التاريخية التي ستتم إزالتها أثناء الحفر كلما سمحت حالتها بذلك. ويعكس هذا الجانب ضرورة التوفيق بين تحديث المرافق الأساسية وصون الخصائص المعمارية التي تمنح المدينة العتيقة هويتها التاريخية.
ويضع المشروع الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس أمام مسؤولية تتجاوز إنجاز الأشغال في آجالها المحددة، لتشمل ضمان جودة المواد المستعملة، ومراقبة التنفيذ، واحترام شروط السلامة، والتحقق من النتائج الصحية قبل إعادة تشغيل الشبكة. كما يبرز أهمية التنسيق بين فرق الماء والتطهير السائل، خصوصا في المواقع التي تتقارب فيها القنوات أو تتقاطع مساراتها، بما يقلل مخاطر الاختلالات المستقبلية ويرفع مستوى موثوقية الخدمة.
وتبقى النتائج الفعلية لهذا الورش مرتبطة بما ستسفر عنه الأشغال والاختبارات اللاحقة، ومدى انعكاسها على استقرار التزويد وجودة المياه وتقليص التسربات. كما يظل نشر المعطيات المتعلقة بتقدم الإنجاز ونتائج التحاليل، وتوضيح أي تدابير احترازية قد تكون ضرورية خلال التنفيذ، من العناصر التي من شأنها تعزيز ثقة السكان في هذا المشروع.
وبين متطلبات تحديث البنية التحتية والحفاظ على التراث التاريخي، يمثل تجديد شبكة الماء الصالح للشرب بغرب المدينة العتيقة بفاس تدخلا تقنيا ذا أبعاد خدمية وصحية وعمرانية، تتوقف أهميته النهائية على جودة التنفيذ والرقابة وشفافية النتائج، وعلى قدرة الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس على تحويل الاستثمار المعلن إلى تحسن ملموس ومستدام في الخدمة المقدمة للساكنة.






