سياسة

هل يفعلها نبيل بنعبد الله ويصلح ما أفسدته حكومة أخنوش؟ وعود مراجعة سن التوظيف وإنصاف مربيات ومربي التعليم الأولي تحت الاختبار

عاد ملف إصلاح قطاع التعليم بالمغرب إلى واجهة النقاش، مع التصريحات التي أدلى بها نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، بشأن استعداده لمراجعة تسقيف سن الولوج إلى مهنة التعليم، المحدد حالياً في 35 سنة، وتعهداته بتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين في قطاع التعليم الأولي. تصريحات تفتح الباب أمام تساؤل يتجاوز حدود الوعود الحكومية: هل ينجح الوزير في تصحيح اختلالات ظلت تؤجج الاحتقان داخل المنظومة التعليمية، وهل تستطيع الحكومة الحالية تحويل الإنصاف من خطاب سياسي إلى قرارات ملموسة تنهي معاناة فئات واسعة من نساء ورجال التعليم؟

فمراجعة السن المحدد لاجتياز مباريات التعليم ليست مجرد إجراء إداري عابر، بل مطلب يرتبط بتكافؤ الفرص وإعادة فتح أبواب التوظيف أمام أشخاص راكموا تجارب مهنية وحياتية، لكنهم وجدوا أنفسهم خارج المنافسة بسبب بلوغهم سناً يتجاوز السقف المعتمد. ومن هذا المنطلق، فإن تعهد بنعبد الله برفع هذا السن خلال الولاية الحكومية الحالية يضع الوزارة أمام امتحان حقيقي، عنوانه مدى الاستعداد لمراجعة القرارات التي أثارت جدلاً واسعاً، والاستجابة لمطالب فئات تعتبر أن السن وحده لا ينبغي أن يكون حاجزاً أمام الكفاءة والاستحقاق.

غير أن الرهان الأكبر لا يتوقف عند تسقيف سن الولوج إلى المهنة، بل يمتد إلى ملف التعليم الأولي، الذي تحول إلى إحدى أبرز نقاط التوتر الاجتماعي داخل القطاع. فقد أقر الوزير نفسه بأن عدداً من مربيات ومربي التعليم الأولي يشتغلون في ظروف غير مهيكلة، وأن بعضهم قد يواجه تأخراً في صرف الأجور لعدة أشهر، فضلاً عن محدودية التعويضات مقارنة بحجم المسؤوليات والمهام التي يتحملونها في تأطير الأطفال خلال مرحلة أساسية من مسارهم التعليمي.

وتكتسي هذه الاعترافات أهمية خاصة، لأنها تعيد النقاش إلى جوهر الإشكال: كيف يمكن الحديث عن إصلاح المدرسة العمومية وتجويد التعلمات، بينما لا تزال فئات تساهم في بناء اللبنات الأولى للتعليم تعاني هشاشة مهنية واجتماعية، وتضطر إلى خوض الاحتجاجات للمطالبة بأجور منتظمة وظروف عمل تحفظ كرامتها؟

وجاءت تصريحات الوزير في أعقاب تدخل السلطات الأمنية لفض الاعتصام الذي كان أساتذة وأطر التعليم الأولي يعتزمون تنظيمه أمام مقر البرلمان بالرباط، مساء الاثنين 19 أكتوبر 2026، بدعوة من التنسيق النقابي الوطني، للمطالبة بالإدماج في الوظيفة العمومية، والرفع من الأجور، وتحسين ظروف الاشتغال.

وقد عبّر بنعبد الله عن تفهمه للمطالب المرفوعة، مع إبداء أمله في أن تمنحه هذه الفئة بعض الوقت قبل التصعيد الاحتجاجي. غير أن هذا الموقف يطرح بدوره سؤالاً مشروعاً: كم من الوقت تحتاجه هذه الفئة التي تتحدث عن تأخر الأجور وهشاشة الوضع المهني حتى ترى تغييراً فعلياً في واقعها؟ وهل يكفي تفهم المطالب لاحتواء الاحتقان، أم أن المرحلة تستدعي جدولاً زمنياً واضحاً وإجراءات محددة يمكن للعاملين في القطاع قياس نتائجها؟

إن الإشكال لا يتعلق فقط بوعود وزير جديد أو بتغيير في الخطاب الرسمي، بل بحصيلة سنوات من التدبير الحكومي التي جعلت عدداً من الملفات الاجتماعية والتعليمية موضوعاً دائماً للاحتجاج والمطالبة بإعادة النظر. ومن هنا، فإن الحديث عن إصلاح ما أفرزته المرحلة السابقة، في ظل حكومة عزيز أخنوش، ينبغي أن يستند إلى قرارات قابلة للتنفيذ، لا إلى تبادل المسؤوليات أو إطلاق تعهدات يصعب قياس أثرها على أرض الواقع.

فالحكومة الحالية مطالبة بتوضيح ما إذا كانت مراجعة سن التوظيف ستتم فعلاً، وما الصيغة القانونية والتنظيمية التي ستعتمدها، ومتى سيصبح القرار نافذاً، وكيف ستتعامل مع الملفات الاجتماعية العالقة داخل قطاع التعليم. كما أن ملف التعليم الأولي يحتاج إلى معالجة تتجاوز الحلول الظرفية، من خلال ضمان انتظام الأجور، وتحسين التعويضات، وتوضيح الوضعية القانونية والمهنية للمربيات والمربين، ودراسة مطالب الإدماج وفق صيغة معلنة ومحددة المعالم.

ولا يمكن إغفال أن أي إصلاح جدي للمنظومة التعليمية يظل مرتبطاً بالاستثمار في الموارد البشرية، والإنصات إلى العاملين في الميدان، وإيجاد آليات مؤسساتية للحوار تحول دون وصول الخلافات إلى الشارع. فالاحتجاجات المتكررة لا تنشأ في فراغ، بل تعكس في كثير من الأحيان تراكم مطالب لم تجد طريقها إلى الحل، وهو ما يجعل الاستجابة المبكرة أكثر نجاعة من انتظار اتساع رقعة الاحتقان.

وبين وعود مراجعة سن التوظيف والتعهد بتحسين أوضاع التعليم الأولي، يجد نبيل بنعبد الله نفسه أمام اختبار سياسي واجتماعي يتطلب أكثر من إبداء حسن النية. فالمعيار الحقيقي لنجاحه لن يكون عدد التصريحات التي يدلي بها، وإنما قدرته على تحويلها إلى إجراءات واضحة، وإنصاف الفئات المتضررة، وإعادة الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب المشروعة.

فهل يفعلها بنعبد الله، ويترجم وعوده إلى قرارات تنهي سنوات من الانتظار، وتفتح الباب أمام مراجعة الاختلالات التي أثقلت كاهل قطاع التعليم؟ أم ستظل هذه التعهدات معلقة إلى حين اتضاح موازين القرار والإمكانات المتاحة داخل الحكومة؟

الجواب لن تصنعه التصريحات التلفزيونية، بل ستحدده القرارات الرسمية، ومواعيد تنفيذها، ومدى انعكاسها على حياة العاملين في القطاع. أما مربيات ومربو التعليم الأولي، وكل من ينتظر مراجعة شروط الولوج إلى مهنة التعليم، فلا يطالبون بمجرد وعود جديدة، بقدر ما ينتظرون إجراءات ملموسة تعيد الاعتبار للكفاءة، وتصون الكرامة المهنية، وتجعل إصلاح التعليم مدخلاً للإنصاف الاجتماعي، لا شعاراً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى