سياسة

من إرث الكتلة الديمقراطية إلى قيادة «البام».. الأغلبية الحكومية الجديدة تعيد رسم التحالفات السياسية بالمغرب

أعاد الإعلان عن تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة، يوم الاثنين 12 أكتوبر، ترتيب عدد من التحالفات داخل المشهد السياسي المغربي، بعدما جمع حزب الأصالة والمعاصرة ثلاثة أحزاب ذات امتدادات تاريخية في الحركة الوطنية واليسار، هي حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، ضمن أغلبية تقودها فاطمة الزهراء المنصوري.

وتكمن دلالة هذا التقارب في جمع أحزاب ارتبطت، خلال مراحل مختلفة من تاريخ المغرب الحديث، بالمطالبة بالإصلاحات السياسية والدستورية، مع حزب نشأ سنة 2008 في سياق أثار نقاشاً واسعاً حول طبيعة التنافس الحزبي وعلاقته بمراكز القرار. غير أن قراءة هذا التحول تقتضي التمييز بين رمزيته التاريخية وحساباته الحكومية، إذ لا يعني اجتماع هذه الأحزاب بالضرورة عودة الكتلة الديمقراطية إلى مشروعها الأصلي، كما لا يكفي وحده للحديث عن انتصار سياسي نهائي لطرف على آخر.

الكتلة الديمقراطية.. تاريخ مشترك ومسارات متباينة

تأسست الكتلة الديمقراطية سنة 1992، وضمت أحزاباً من بينها الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، إلى جانب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بهدف تنسيق المواقف بشأن الإصلاح السياسي والدستوري وتعزيز المسار الديمقراطي. وشكلت هذه التجربة إحدى المحطات البارزة في تاريخ المعارضة المغربية، قبل مشاركة الاتحاد الاشتراكي بقيادة عبد الرحمن اليوسفي في حكومة التناوب التوافقي سنة 1998.

لكن الأحزاب التي جمعتها تلك المرحلة لم تحافظ على المسار السياسي نفسه خلال العقود اللاحقة. فقد تغيرت قياداتها وتحالفاتها ومواقعها بين الحكومة والمعارضة، كما تباينت مواقفها من عدد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لذلك، فإن وجود الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية داخل أغلبية واحدة لا يمثل بالضرورة إحياءً للكتلة الديمقراطية بصيغتها التاريخية، بقدر ما يعكس توافقاً سياسياً جديداً أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية ومتطلبات تشكيل الحكومة. وسيظل تحديد طبيعة هذا التوافق مرتبطاً بالبرنامج الحكومي والقرارات التي ستتخذها مكوناته، وليس بمجرد استحضار الإرث التاريخي للأحزاب المشاركة.

الأصالة والمعاصرة.. من الجدل حول التأسيس إلى قيادة الأغلبية

تتمثل إحدى أبرز مفارقات التحالف الجديد في أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تأسس سنة 2008 بمبادرة ارتبطت بفؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب السابق في الداخلية والمستشار الملكي لاحقاً، أصبح يقود أغلبية تضم أحزاباً انتقدت نشأته وتموقعه في المشهد السياسي.

فقد أثار ظهور الحزب نقاشاً حول سرعة توسعه وموقعه في الخريطة الحزبية، كما شككت قوى سياسية في مدى استقلالية مشروعه عن مراكز النفوذ. وفي المقابل، قدم مؤسسوه الحزب باعتباره مبادرة لتحديث الحياة السياسية وتجميع كفاءات وفاعلين من خلفيات مختلفة.

وتزامن تطور الحزب مع سياق سياسي متغير، خصوصاً خلال احتجاجات حركة 20 فبراير سنة 2011، التي رفعت مطالب تتعلق بالإصلاح ومحاربة الفساد وتوسيع الحريات، وانتقدت مظاهر النفوذ السياسي في البلاد.

وبعد سنوات من التنافس، أصبح الحزب اليوم في موقع قيادة أغلبية تضم أحزاباً كانت من منتقديه. ويمكن قراءة ذلك باعتباره تحولاً في العلاقات الحزبية، لكنه لا يثبت وحده أن هذه الأحزاب تخلت عن مواقفها السابقة أو تبنت بالضرورة تصوراً سياسياً مشتركاً. فالانتقال من التنافس إلى التعاون الحكومي قد تفرضه نتائج الانتخابات والحاجة إلى بناء أغلبية قادرة على تدبير الشأن العام.

كما ينبغي التمييز بين الدور التاريخي لفؤاد عالي الهمة في تأسيس الحزب والمسؤولية الحكومية الحالية لفاطمة الزهراء المنصوري، إذ ستتحدد طبيعة التجربة المقبلة وفق قرارات القيادة الحكومية وأداء أعضائها، لا وفق خلفية الحزب وحدها.

بيان الأغلبية.. التزامات تحتاج إلى إجراءات ملموسة

حدد البلاغ المعلن عن تشكيل الأغلبية الجديدة مجموعة من الأولويات، تشمل تعزيز الحريات والحقوق، وترسيخ الحكامة الجيدة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي، وتقوية الازدهار الاقتصادي ومواصلة الإصلاحات الديمقراطية.

وتشكل هذه العناوين إطاراً عاماً لتوجهات الحكومة المرتقبة، لكنها لا تقدم بمفردها تفاصيل كافية لتقييم السياسات المنتظرة. فالحديث عن العدالة الاجتماعية، مثلاً، يقتضي تحديد التدابير المرتبطة بالتشغيل والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، فيما يتطلب الإنصاف المجالي توضيح كيفية توزيع الاستثمارات وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الأقل استفادة من التنمية.

وفي مجال الحريات والحقوق، سيكون تقييم الالتزام المعلن مرتبطاً بالتدابير التشريعية والمؤسساتية التي ستعتمدها الحكومة، وبطريقة تعاملها مع القضايا المتعلقة بحرية التعبير والصحافة والتظاهر، فضلاً عن الملفات التي تثير بشأنها منظمات حقوقية ملاحظات وانتقادات.

أما مواصلة الإصلاحات الديمقراطية، فتظل عنواناً عاماً لا يمكن تحديد مضمونه بدقة قبل الاطلاع على البرنامج الحكومي وما سيتضمنه من مقترحات قانونية ومؤسساتية.

ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من إعلان المبادئ إلى تحديد الأهداف والآجال والموارد وآليات التقييم، بما يسمح للبرلمان والرأي العام بمساءلة الحكومة بشأن مدى تنفيذ التزاماتها.

اختيار الوزراء والبرنامج الحكومي.. أول اختبار للتحالف

أعلن البلاغ أن الأحزاب الأربعة ستقترح أسماء الوزراء والوزيرات وفق معايير الكفاءة والنزاهة والاستقامة والحس السياسي، تمهيداً لإعداد البرنامج الحكومي. وتضع هذه المرحلة مسألة توزيع المسؤوليات واختيار الفريق التنفيذي في صلب الاهتمام، بالنظر إلى أثرها في تحديد أولويات التدبير وطبيعة التوازنات داخل الأغلبية.

غير أن تقييم الحكومة لن يتوقف عند الأسماء أو الانتماءات الحزبية، بل سيشمل مدى الانسجام بين مكوناتها، ووضوح برنامجها، وقدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذ الإصلاحات. كما ستتيح مناقشة البرنامج الحكومي أمام البرلمان فرصة لاختبار مدى واقعية الالتزامات المعلنة، والوسائل التي ستعتمدها الحكومة لتحقيقها.

ويطرح تعدد المرجعيات داخل الأغلبية تحدياً يتعلق بكيفية التوفيق بين الأولويات المختلفة، خصوصاً في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. وقد يشكل هذا التنوع مجالاً للتكامل إذا استند إلى اتفاق واضح حول الأهداف، لكنه قد يثير خلافات إذا لم تتوفر آليات فعالة لتنسيق المواقف وتدبير الاختلاف.

من رمزية التحالف إلى امتحان النتائج

يعكس الاتفاق الرباعي المعلن في 12 أكتوبر تحولاً في خريطة التحالفات السياسية بالمغرب، إذ جمع أحزاباً ذات امتدادات تاريخية مختلفة تحت قيادة الأصالة والمعاصرة. لكنه لا يحسم بعد طبيعة المشروع الإصلاحي الذي ستتبناه الحكومة، ولا يثبت أن التباينات السابقة بين مكوناتها قد انتهت.

وسيظل المعيار الأساسي لتقييم هذه التجربة هو قدرتها على تحويل التوافق السياسي إلى سياسات عمومية واضحة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوسيع فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الحريات والحكامة الجيدة.

وبين الإرث التاريخي للكتلة الديمقراطية والتحولات التي عرفتها الأحزاب المشاركة، تبدو الأغلبية الجديدة أمام اختبار يتجاوز إعادة ترتيب المواقع السياسية إلى تحمل المسؤولية التنفيذية. فالبرنامج الحكومي والقرارات العملية والنتائج المحققة هي التي ستحدد ما إذا كان هذا التحالف يؤسس لتعاون سياسي حول إصلاحات قابلة للتنفيذ، أم يظل في حدود توافق أملته موازين القوى التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى