فاس تدشن متحف الثقافة اليهودية المغربية.. التوفيق يستحضر تاريخ حماية اليهود وقطبي يعتبره رسالة سلام إلى العالم

شهدت مدينة فاس، أمس الاثنين 12 أكتوبر الجاري، افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية بحي الملاح التاريخي، في مشروع ثقافي يروم توثيق الوجود اليهودي بالمغرب وصيانة ذاكرته المادية والروحية، وإبراز إسهاماته في تشكيل الهوية الحضارية للمملكة، وذلك بأمر من الملك محمد السادس، وبحضور وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، ووالي جهة فاس مكناس خالد آيت طالب، ورئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف المهدي قطبي، ورئيس مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي سيرج بيرديغو، إلى جانب سفراء وشخصيات ثقافية ودبلوماسية.
ويأتي افتتاح هذا الصرح بعد سنوات من الأشغال التي انطلقت سنة 2019، حين أعطى الملك محمد السادس انطلاقة بناء المتحف في إطار برنامج تأهيل المدينة العتيقة لفاس وتثمين موروثها التاريخي، في خطوة ترمي إلى تحويل الذاكرة اليهودية المغربية إلى مكون حاضر في المشهد الثقافي والمتاحفي الوطني، وليس مجرد صفحات محفوظة في الوثائق والروايات التاريخية.
وأكد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، الذي أوضح أن الملك كلفه بحضور حفل الافتتاح، أن هذا المشروع يجسد تشبث المغرب بقيم التعايش واحترام القيم المشتركة، حتى في فترات الاضطراب وعدم اليقين، مشيرا إلى أن المتحف لا يستعيد الماضي فقط، بل يحمل رسالة تتطلع إلى المستقبل، وتدعو إلى تعزيز التقارب بين الثقافات واحترام الاختلاف الإنساني.
التوفيق يستحضر تاريخ حماية اليهود المغاربة
وفي كلمة بالمناسبة، توقف أحمد التوفيق عند التجربة التاريخية للمغرب في حماية مكوناته الدينية، مستحضرا عناية السلاطين العلويين باليهود المغاربة وضمان أمنهم وصيانة حقوقهم وممتلكاتهم، ومبرزا أن التاريخ المغربي يتضمن نماذج من التوجيهات السلطانية التي شددت على منع الظلم وحماية غير المسلمين الذين يعيشون في ظل الدولة.
واستحضر الوزير، وهو مؤرخ معروف باهتمامه بتاريخ المغرب، مفهوم حماية أهل الذمة في سياقه التاريخي، مذكرا بمواقف منسوبة إلى سلاطين مغاربة اعتبروا الاعتداء على هذه الفئة من صور الظلم التي ينبغي منعها. ويمنح هذا الاستحضار للمتحف بعدا يتجاوز عرض المقتنيات، ليربط الذاكرة الثقافية بالتاريخ القانوني والاجتماعي للعلاقات بين مكونات المجتمع المغربي.
كما أبرز التوفيق خصوصية الثقافة اليهودية المغربية وتنوعها اللغوي والثقافي، مشيرا إلى أن اليهود المغاربة لم يشكلوا مجموعة متجانسة من حيث الألسن والعادات والتقاليد، بل حملوا معهم خصوصيات محلية ارتبطت بالمناطق التي عاشوا فيها، وضرب مثالا بيهود الأطلس الكبير الغربي الذين عرفهم خلال طفولته، وكانوا يتحدثون الأمازيغية.
وتتقاطع هذه الإشارة مع مضمون المتحف، الذي يقدم صورة عن تعدد التجارب اليهودية داخل المغرب، من فاس ومناطق الشمال إلى الجنوب وتافيلالت، ويبرز اختلاف الأزياء والحرف والممارسات الدينية والموسيقية، بما يسمح بفهم أوسع لليهودية المغربية بوصفها جزءا من تاريخ البلاد الاجتماعي والثقافي.
المهدي قطبي: فاس توجه رسالة سلام وأخوة إلى العالم
من جهته، اعتبر المهدي قطبي، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، أن افتتاح المتحف يمثل رسالة للسلام والأخوة والعيش المشترك توجهها فاس إلى العالم، مؤكدا أن الحفاظ على الذاكرة اليهودية المغربية يندرج ضمن صيانة الهوية الوطنية المتعددة الروافد، واستحضار القرون التي ساهمت خلالها مختلف المكونات في بناء التاريخ المغربي.
وسلط قطبي الضوء على الدلالة الثقافية لموقع المتحف، الذي يوجد على مسافة قريبة من متحف الفنون الإسلامية بقصر البطحاء، معتبرا أن تجاور المؤسستين يتيح تقديم صورة متكاملة عن تنوع التراث المغربي، من خلال فضاءين يعرض كل منهما جوانب من تاريخ البلاد وإنتاجها الفني والروحي.
ويمنح هذا التجاور للمدينة العتيقة بعدا متحفيا جديدا، إذ تتحول المنطقة إلى فضاء يجمع بين روافد من التراث المغربي، ويتيح للزائر الانتقال من الفنون الإسلامية إلى تفاصيل الحياة اليهودية المغربية، ضمن سياق تاريخي مشترك لا يفصل بين المكونات الثقافية بقدر ما يبرز تفاعلها وتنوعها.
أما سيرج بيرديغو، رئيس مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، فشدد على أن المتحف لا يمثل مجرد مستودع لذاكرة طائفة دينية، بل فضاء للمعرفة ونقل التراث وتعزيز الحوار، معتبرا أن الثقافة تحتل موقعا مركزيا في المشروع المجتمعي للمملكة، وأن حفظ هذا الموروث يتيح للأجيال الجديدة التعرف على تاريخ المغرب بمختلف روافده.
أكثر من 2500 سنة من التاريخ في قلب الملاح
ويشكل موقع المتحف أحد عناصر خصوصيته، إذ يوجد في قلب ملاح فاس، الحي التاريخي الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1438، والذي ظل على مدى قرون فضاء للحياة الدينية والتعليمية والتجارية والحرفية لليهود المغاربة.
ووفق المعطيات المنشورة حول المشروع، شملت أشغال البناء والتهيئة مساحة إجمالية تفوق 1700 متر مربع، منها نحو 1200 متر مربع مخصصة لفضاءات العرض، وقد أنجزت وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس الأشغال بتنسيق مع المؤسسة الوطنية للمتاحف ومتخصصين في المجال.
ويتيح المسار المتحفي استكشاف أكثر من 2500 سنة من تاريخ الوجود اليهودي بالمغرب، عبر مخطوطات ووثائق أرشيفية وكتب نادرة وقطع دينية وأدوات منزلية وحلي وأزياء وآثار إثنوغرافية وفنية. كما يتناول محطات من تاريخ اليهود المغاربة، من الشواهد التاريخية القديمة إلى تأسيس الملاح، ثم وصول اليهود المطرودين من الأندلس سنة 1492، وصولا إلى التحولات التي عرفها المجتمع المغربي في العصر الحديث.
ولا يقتصر العرض على سرد الأحداث التاريخية، بل ينتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية، بما فيها المعبد والمدرسة العبرية والمحكمة الحاخامية، وطقوس الولادة والختان والزواج والوفاة، فضلا عن الملابس التقليدية وعقود الزواج اليهودية وكسوة العروس وستائر خزانة التوراة.
ويخصص المتحف حيزا للحياة العلمية والدينية، من خلال التعريف بحاخامات وشخصيات فكرية مغربية، إلى جانب إبراز المهن والحرف التي اشتهر بها اليهود المغاربة، ومنها صناعة الحلي والفضة والنسيج والتطريز، مع عرض نماذج من الأزياء والتقاليد المرتبطة بمناطق مختلفة من المملكة.
كما يستعين الفضاء بوسائط سمعية بصرية وتقنيات رقمية لتقريب المعروضات من الزوار، مع توجه نحو تطوير برامج تربوية وثقافية تستهدف الأطفال والشباب والمجموعات المدرسية، بما يجعل المتحف فضاء للتعلم ونقل المعرفة، وليس مجرد محطة للزيارة السياحية.
وثائق تاريخية ورسائل ملكية توثق الذاكرة المشتركة
ومن العناصر البارزة داخل المتحف عرض وثائق تاريخية ورسائل ملكية تتناول التنوع الثقافي والروحي للمغرب، إلى جانب نماذج من الوثائق القانونية التي تسلط الضوء على تنظيم الحياة العامة ومراعاة الخصوصيات الدينية للمواطنين اليهود عبر مراحل مختلفة من التاريخ.
وتتضمن المعروضات إشارات إلى مراسلات سلطانية، من بينها وثيقة من عهد السلطان المولى عبد الرحمن تتعلق باحترام يوم السبت لدى اليهود المغاربة وعدم تكليفهم بمهام خلاله، وهي من الأمثلة التي تستحضرها المؤسسة لتوضيح جوانب من العلاقات القانونية والاجتماعية بين مكونات المجتمع المغربي.
كما يستحضر المتحف مضامين من الرسائل الملكية التي أكدت غنى الهوية الوطنية وتعدد روافدها، ومن بينها رسالة تعود إلى سنة 2009، فضلا عن رسالة مرتبطة بإعادة افتتاح بيعة صلاة الفاسيين بعد ترميمها سنة 2013.
وتنسجم هذه المضامين مع ما ينص عليه تصدير دستور 2011 بشأن تعدد روافد الهوية المغربية، التي تشمل المكونات العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، إلى جانب الروافد الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية.
مشروع ثقافي ضمن ورش تأهيل فاس العتيقة
ولا ينفصل افتتاح المتحف عن الدينامية التي تعرفها المدينة العتيقة بفاس في مجال ترميم المعالم التاريخية وتثمين التراث وإعادة توظيف المباني ذات القيمة الحضارية. فقد تزامن إطلاق المشروع سنة 2019 مع إعطاء الانطلاقة لأشغال ترميم قصر البطحاء وتحويله إلى متحف للفنون الإسلامية، الذي فتح أبوابه أمام الجمهور سنة 2025.
ويتيح قرب المتحفين بناء مسار ثقافي متكامل، يمكن أن يدعم جاذبية فاس السياحية ويعزز مكانتها باعتبارها إحدى أبرز الحواضر التاريخية بالمغرب، شريطة مواكبة هذه المنشآت ببرامج للتعريف بمحتوياتها، وتحسين الولوج إليها، وإدماجها في المسارات السياحية والتربوية والثقافية للمدينة.
ويطرح افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية أيضا مسؤولية مواصلة البحث التاريخي وتوثيق الأرشيفات وصيانة المقتنيات، بما يضمن تقديم الذاكرة في سياقها العلمي، وإتاحة الفرصة للباحثين والطلبة والزوار للاطلاع على تاريخ اليهود المغاربة وعلاقاتهم بمحيطهم الاجتماعي والثقافي.
وبذلك، تضيف فاس إلى رصيدها الثقافي مؤسسة جديدة تسعى إلى حفظ جانب أساسي من تاريخ المغرب، في وقت يتزايد فيه الاهتمام بصيانة التراث المادي واللامادي وإعادة تقديمه للأجيال المقبلة. فالرهان لا يتعلق فقط بفتح أبواب متحف جديد، بل بتحويل الذاكرة التاريخية إلى معرفة متاحة، وإبراز تعدد التجارب التي ساهمت في تشكيل المجتمع المغربي عبر القرون.






