صحة

“المفهوم الجديد للسلطة” في قلب مستشفى محمد الخامس بالجديدة: زيارة العامل صالح داحا ليلا تعري الخصاص وتطلق ورش التأهيل

شهدت مدينة الجديدة، ليلة الجمعة–السبت 22 نونبر 2025، واحدة من أكثر اللحظات دلالة على التحول الإداري الذي تعيشه عاصمة دكالة، و كشفت مصادر محلية أن عامل الإقليم،  سيدي صالح داحا، قام بزيارة ليلية مفاجئة وطويلة إلى المستشفى الإقليمي محمد الخامس. لم تكن الزيارة مجرد تفقد بروتوكولي، بل محطة فاصلة كشفت عمق الأزمة الصحية التي تخنق الإقليم، وأظهرت بوضوح أن قطاع الصحة بلغ مستوى يستدعي تدخلاً عاجلاً وغير تقليدي. وقد شكلت هذه الزيارة التطبيق المباشر للمفهوم الجديد للسلطة الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويحمل الإدارة الترابية مسؤولية حماية حياة المواطنين قبل كل شيء.

وأبانت الزيارة الميدانية، التي جرت في ساعات متأخرة، عن مشهد صادم لقبول المرضى في ظروف صعبة، وسط خصاص مهول في الأطر الطبية والتمريضية، ونقص حاد في المعدات والمواد البيوطبية. فقد وقف العامل يقول أحد المرتفقين على أزمة حقيقية داخل أقسام الإنعاش والولادة، وهما القلب النابض لأي مؤسسة استشفائية، حيث تتكدس الحالات دون تجهيـزات كافية، فيما يشتغل الطاقم الطبي فوق طاقته في محاولة لسد ثغرات بنيوية عمرت لسنوات. أما قسم المستعجلات، فقد بدا في وضع انفجار كامل، حيث يتجاوز عدد الوافدين قدرته الاستيعابية، ويختلط التدبير العشوائي بغياب الموارد المستعجلة، ما يحول تدخلات بسيطة إلى حالات مستعصية.

ومما زاد في حرج الوضع، أن الزيارة كشفت نقصاً لافتاً في المواد الأساسية مثل المعدات البيوطبية وأدوات العناية الأولية، إضافة إلى غياب تخصصات حيوية تحتاجها ساكنة الإقليم بشكل يومي. ويعكس هذا الوضع حالة الفشل المزمن في تسيير المستشفى خلال السنوات الماضية، حيث تكدست الأعطاب وقلت الموارد، وتراجع مستوى الخدمة بشكل جعل المستشفى الإقليمي مصدر معاناة بدل أن يكون مركزاً للرعاية.

وجاءت طريقة تفاعل العامل مع المرضى والأسر والمشتغلين في المستشفى لتؤكد أن هذه الزيارة ليست حدثاً عادياً، بل خطوة سياسية وإدارية محسوبة. فاختياره للمباشرة، والاستماع المباشر، وعدم الاكتفاء بتقارير مكتبية معدة سلفاً، يعكس إرادة قوية لفتح الملف على مصراعيه، وإعادة ترتيب الأولويات في القطاع الصحي بالإقليم. هذا التوجه لا ينفصل عن الرؤية الملكية التي دعت مراراً إلى تجويد الخدمات العمومية، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، وإلى تنزيل فعلي للنموذج التنموي الجديد الذي يجعل المواطن محور كل السياسات العمومية.

إن زيارة العامل داحا تمثل لحظة حاسمة، لأنها كسرت حاجز الصمت الذي لازم الوضع الصحي بالجديدة لسنوات. فالمستشفى الإقليمي، رغم موقعه باعتباره المؤسسة الصحية الأولى بالمدينة، ظل يعيش مشاكل مستمرة في التسيير والتجهيز والموارد البشرية، في ظل غياب تدخلات قوية من الإدارة المركزية. واليوم، بات من الواضح أن إصلاح الوضع لن يتم بترقيعات جزئية، بل يحتاج إلى خطة إعادة هيكلة شاملة، وميزانيات حقيقية، ومساءلة إدارية صارمة لكل جهة أسهمت في تدهور الخدمات الصحية.

كما تفتح هذه الزيارة الباب أمام دعم مستعجل من وزارة الصحة لإعادة تأهيل أقسام الإنعاش والولادة والمستعجلات، وتوفير التجهيزات البيوطبية الأساسية، واستقدام أطر طبية وتمريضية متخصصة. ويظل من الضروري أن تتحول هذه الدينامية إلى ورش دائم لإعادة الاعتبار للمستشفى الإقليمي، حتى يصبح في مستوى التطلعات الصحية لساكنة عاصمة دكالة.

ولا يتوقف معنى الزيارة عند القطاع الصحي فقط، بل يمتد إلى رمزية أعمق مرتبطة بقدرة الإدارة الترابية على استعادة زمام المبادرات في الملفات الكبرى، وتغيير صورة مدينة الجديدة التي عانت طويلاً من بطء التنمية وضعف الحكامة. فالجديدة، بتاريخها العريق وموقعها الاستراتيجي ودورها الاقتصادي، تستحق أن تتحول إلى قطب جهوي قوي، وهو ما لن يتحقق دون معالجة جذرية لاختلالات المرافق العمومية الأساسية، وعلى رأسها الصحة.

إن الرسالة التي حملتها هذه الزيارة واضحة: مرحلة التسيير من المكاتب قد انتهت، ومرحلة الميدان قد بدأت. والخطوات المقبلة ستكون حاسمة في ما إذا كانت الجديدة ستستفيد من هذه اللحظة المفصلية لتعويض سنوات الفشل، أم ستعود إلى دوامة الوعود غير المنجزة. لكن ما هو ثابت أن سكان الإقليم ينتظرون قرارات جريئة، وإجراءات سريعة، وتدخلاً حكومياً مباشراً، لأن صحة المواطنين ليست مجالاً للمساومة، بل معياراً حقيقياً لنجاح النموذج التنموي الجديد على الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى