المجلس الوزاري يطلق ملامح الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية: نحو نموذج مندمج يقطع مع “مغرب بسرعتين”

ترأس جلالة الملك محمد السادس، أمس، أشغال مجلس وزاري خُصص لبحث عدد من القضايا الاستراتيجية، في مقدمتها إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، باعتبارها ركيزة أساسية في تنزيل النموذج التنموي الجديد، وتعزيز العدالة المجالية بمختلف ربوع المملكة.
وخلال هذا المجلس، قدم وزير الداخلية السيد عبد الوافي لفتيت عرضاً مفصلاً بين يدي جلالة الملك، استعرض فيه الخطوط العريضة لهذه البرامج، التي تقوم على مقاربة متجددة تنطلق من الحاجيات الحقيقية المعبر عنها محلياً من قبل المواطنات والمواطنين، بدل الاقتصار على التصورات المركزية التقليدية.
تجسيد عملي للتوجيهات الملكية
ويأتي هذا الورش في سياق تفعيل التوجيهات الملكية السامية، خاصة تلك التي وردت في خطاب العرش الأخير، حيث شدد جلالة الملك على ضرورة القطع مع “مغرب يسير بسرعتين”، في إشارة واضحة إلى التفاوتات المجالية بين المدن الكبرى والمجالات القروية والمناطق الأقل تأهيلاً.
وقد شكل هذا التوجيه الملكي أرضية أساسية لإعادة صياغة السياسات العمومية، بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو المجالات التي تعاني من خصاص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وتعزيز ولوج الساكنة إلى التعليم، الصحة، الشغل، والماء الصالح للشرب.
وفي هذا الإطار، يُنتظر أن تساهم برامج التنمية الترابية المندمجة في تحقيق تحول نوعي في طريقة إعداد وتنفيذ المشاريع، من خلال اعتماد مقاربة تشاركية قائمة على الإنصات الفعلي لانتظارات المواطنين.
مشاورات واسعة وتشخيص ترابي دقيق
وأشار وزير الداخلية إلى أن إعداد هذه البرامج استند إلى تنظيم مشاورات موسعة وعمليات إنصات ميدانية شملت مختلف عمالات وأقاليم المملكة، حيث تم إنجاز تشخيص ترابي دقيق لكل مجال، اعتماداً على تحليل المؤشرات السوسيو-اقتصادية، وتحديد مكامن القوة والاختلالات.
وقد هم هذا التشخيص قطاعات حيوية، من بينها التشغيل، التعليم، الصحة، الماء، والبنيات التحتية، ما أتاح بلورة برامج تستجيب لخصوصيات كل إقليم، بدل اعتماد نماذج موحدة لا تعكس التنوع الترابي.
كما مكنت هذه المقاربة من إشراك الفاعلين المحليين، من منتخبين ومصالح لاممركزة وفعاليات مدنية، في صياغة التصورات التنموية، بما يعزز الالتقائية ويضمن نجاعة التنفيذ.
غلاف مالي ضخم يمتد على ثماني سنوات
وكشف العرض أن الكلفة الإجمالية التقديرية لتنفيذ هذه البرامج على مدى ثماني سنوات تصل إلى حوالي 210 مليارات درهم، ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه الدولة على هذا الورش، باعتباره أحد أعمدة النموذج التنموي الجديد.
ويهدف هذا الاستثمار الكبير إلى تحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز جاذبية المجالات الترابية، وتحفيز الاقتصاد المحلي، من خلال خلق فرص الشغل ودعم المبادرات الاقتصادية.
حكامة متعددة المستويات
ويقوم هذا الجيل الجديد من البرامج على نموذج حكامة متعدد المستويات، يضمن التوازن بين القرب الترابي والتنسيق الوطني.
فعلى المستوى المحلي، سيتم إحداث لجان على صعيد العمالات والأقاليم، يرأسها العمال، وتضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة، تتولى إعداد البرامج وتتبع تنفيذها، مع ضمان التشاور المستمر مع الساكنة.
أما على مستوى الجهة، فيتولى ولاة الجهات تنسيق هذه البرامج وضمان انسجامها، عبر تجميع المشاريع المقترحة من مختلف الأقاليم.
في حين سيتم على المستوى الوطني إحداث لجنة برئاسة رئيس الحكومة، تضم القطاعات الوزارية المعنية، تتكلف بالمصادقة على البرامج، وتتبع تنفيذها، ووضع مؤشرات دقيقة لقياس أثرها.
آليات تنفيذ جديدة قائمة على النجاعة
ومن أبرز مستجدات هذا الورش، اعتماد آليات تنفيذ جديدة تقوم على إحداث شركات مساهمة على المستوى الجهوي، يرأس مجالس إدارتها رؤساء الجهات، لتعويض الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع.
ويهدف هذا التحول إلى الجمع بين متطلبات الحكامة العمومية ومرونة التدبير المستمدة من القطاع الخاص، بما يتيح تسريع وتيرة الإنجاز، وتحسين جودة المشاريع.
كما سيتم إخضاع هذه البرامج لتدقيق سنوي مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، في إطار تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
شفافية وتواصل رقمي مفتوح
وفي سياق تعزيز الشفافية، سيتم إطلاق منصة رقمية وطنية تتيح للمواطنين والفاعلين المؤسساتيين تتبع مختلف مراحل تنفيذ المشاريع، والاطلاع على المعطيات المرتبطة بالبرمجة ونسب الإنجاز.
ويشكل هذا التوجه خطوة نوعية نحو تكريس الحق في المعلومة، وتعزيز الثقة في المرفق العمومي، من خلال إشراك المواطن في تتبع السياسات العمومية.
إصلاح قانوني لتعزيز الجهوية المتقدمة
وفي السياق ذاته، صادق المجلس الوزاري على مشروع قانون تنظيمي يهم تعديل القانون المتعلق بالجهات، في إطار تعزيز أسس الجهوية المتقدمة.
ويرتكز هذا الإصلاح على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل:
- تطوير آليات التنفيذ عبر تحويل الوكالات إلى شركات مساهمة
- تدقيق اختصاصات الجهات وتعزيز دورها الاقتصادي
- تقوية الموارد المالية لضمان استقلاليتها وقدرتها على الاستثمار
نحو تسريع تنزيل البرامج
وتعكس هذه التوجهات الإرادة الملكية في إرساء نموذج تنموي مندمج، قائم على العدالة المجالية والنجاعة الاقتصادية، مع التركيز على تحسين ظروف عيش المواطنين.
كما يُنتظر، في ضوء العرض الذي قدمه وزير الداخلية، أن تصدر توجيهات ملكية سامية إضافية خلال المرحلة المقبلة، من شأنها تسريع تنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة، وضمان تحقيق أهدافها في الآجال المحددة.
وفي ظل هذه الدينامية، تبدو المملكة مقبلة على مرحلة جديدة من التدبير الترابي، عنوانها الانتقال من منطق البرامج القطاعية المجزأة إلى رؤية مندمجة، قادرة على تقليص الفوارق، وتحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف المجالات الترابية، دون استثناء.






