القنب الهندي بالمغرب.. مشروع التقنين يواجه اختبار الحقيقة في الحسيمة وتاونات وشفشاون وسط تعثر التسويق ومطالب بإعادة هيكلة الوكالة

بعد سنوات من الرهان على تقنين زراعة القنب الهندي وتحويلها إلى رافعة للتنمية في مناطق الريف، يواجه المشروع بالمغرب اختبارا حقيقيا يتجاوز أرقام المساحات المزروعة ومحاصيل الحصاد وعدد التراخيص الممنوحة. فبين الحسيمة وتاونات وشفشاون، وهي الأقاليم الثلاثة التي يسمح فيها القانون بممارسة هذه الأنشطة، تتصاعد الأسئلة بشأن ضعف التسويق، وتأخر أداء مستحقات عدد من الفلاحين بحسب الشكاوى المتداولة، واختلال التوازن بين المنتجين الصغار والشركات المستثمرة، فضلا عن ضرورة مراجعة الحكامة وآليات منح التراخيص ومراقبة الالتزامات.
لقد جاء التقنين بموجب القانون رقم 13.21 بهدف تنظيم الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، خاصة في المجالات الطبية والصيدلانية والصناعية، وإدماج الفلاحين في اقتصاد قانوني يضمن لهم فرصا أفضل للاستقرار وتحسين الدخل. غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يتوقف عند تمكين الفلاح من ترخيص للزراعة، بل يتطلب وجود سوق قادرة على استيعاب المحصول، وشركات تحترم التزاماتها، وتعاونيات قوية، ومنظومة رقابية تضمن ألا يتحمل المنتج الصغير وحده مخاطر الإنتاج والتسويق.
الحصاد يتقدم والأسئلة تتسع
بحسب المعطيات المنشورة يوم الخامس عشر من أكتوبر الجاري، بلغت نسبة حصاد الصنف المحلي المعروف بالبلدية في إقليم تاونات نحو اثنين وتسعين في المائة، فيما وصلت المساحة المحصودة من هذا الصنف في الأقاليم الثلاثة إلى ألف ومائة هكتار، أي ما يعادل ستين في المائة من إجمالي المساحة المزروعة به. أما الصنف المستورد، فقد دخل مرحلة الحصاد خلال أكتوبر، مع توقع استمرار العملية إلى دجنبر المقبل.
وتبرز هذه الأرقام استمرار النشاط الفلاحي واتساع نطاق المنظومة القانونية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: هل يجد الفلاح من يشتري محصوله في الوقت المناسب، وهل يتوصل بثمنه وفق الآجال المتفق عليها، وهل تتحول الكميات المنتجة إلى منتجات مصنعة قابلة للتسويق بدل أن تبقى المادة الخام رهينة اختلالات سلسلة التثمين؟
إن نجاح موسم الحصاد لا يعني بالضرورة نجاح المشروع اقتصاديا. فالمعيار الحقيقي هو ما يحصل عليه الفلاح بعد احتساب تكاليف الزراعة واليد العاملة والبذور والأسمدة والنقل، ومدى انتظام علاقته بالتعاونيات والشركات التي تتولى شراء المحصول وتحويله وتسويقه.
الحسيمة وتاونات وشفشاون.. ثلاث مناطق ورهان واحد
في إقليم الحسيمة، سجلت سلسلة القنب الهندي القانوني خلال سنة 2025 إنتاجا بلغ ألفين وثمانمائة وأربعة قناطير من القنب الهندي المجفف، مقابل ألف وتسعمائة قنطار سنة 2024، وستين قنطارا سنة 2023، وفق معطيات نشرتها وسائل إعلام مغربية نقلا عن الوكالة المختصة. كما بلغت المساحة المحصودة ثمانمائة وأربعة وأربعين هكتارا، لفائدة ألف وثلاثمائة وأحد عشر فلاحا منخرطين في مائة وتسع وثلاثين تعاونية.
أما إقليم شفشاون، فقد بلغت المساحة المزروعة خلال سنة 2025 ألفا وثلاثمائة وسبعة وأربعين هكتارا، مقابل ستمائة وستة عشر هكتارا في السنة السابقة، بحسب معطيات رسمية منشورة. وبلغ عدد الفلاحين المنخرطين ألفا وأربعمائة وخمسة وثلاثين فلاحا موزعين على مائة وأربع تعاونيات، مع حضور للصنف المحلي إلى جانب الصنف المستورد، وتطور تدريجي لبعض أنشطة التحويل والتثمين.
وفي تاونات، تتقدم عملية حصاد الصنف المحلي خلال الموسم الحالي، لكن الإقليم ظل في صلب النقاش العمومي بسبب شكاوى مرتبطة بالتسويق وتأخر أداء مستحقات فلاحين وتعاونيات، وبسبب المخاوف من أن يؤدي ضعف السيولة إلى عجز المنتجين عن تمويل الموسم الموالي. وقد تناولت تقارير صحفية خلال ماي 2026 هذه الإشكالات، فيما سبق أن أثيرت داخل المؤسسة التشريعية أسئلة حول الحقوق القانونية والمادية والتجارية للفلاحين الصغار المنخرطين في المشروع.
ورغم اختلاف حجم الإنتاج والمساحات وظروف كل إقليم، فإن المناطق الثلاث تواجه رهانا مشتركا: بناء سلسلة قانونية لا تكتفي بتنظيم الزراعة، بل تضمن كذلك شراء المحصول وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة، وتوزيع العائدات بصورة أكثر إنصافا بين الفلاح والتعاونية والمستثمر.
التسويق الحلقة الأضعف في المشروع
من أبرز الاختلالات التي تستدعي المعالجة مسألة التسويق. فالتقنين لا يخلق سوقا بصورة تلقائية، ولا يضمن وجود طلب كاف على كل الكميات المنتجة. وإذا لم تتوسع وحدات التحويل والتصنيع، ولم تتطور قنوات التوزيع والتصدير، فقد يجد الفلاح نفسه أمام محصول قانوني لا يستطيع بيعه بالشروط التي تضمن له مردودية معقولة.
وقد سلطت تقارير صحفية الضوء على حالات تأخر في أداء مستحقات فلاحين بعد تسليم محاصيلهم إلى شركات تحويلية، وعلى صعوبات واجهت بعض التعاونيات في الوفاء بالتزاماتها تجاه أعضائها. وتكمن خطورة هذه الحالات في أن الفلاح يكون قد أنجز الجزء الأكثر كلفة ومشقة من العملية، ثم يجد نفسه مضطرا إلى الانتظار أو الاستدانة لتغطية مصاريفه، بينما تتراكم عليه التزامات الموسم المقبل.
ولا ينبغي تعميم هذه الشكاوى على جميع المستثمرين أو التعاونيات، لكن وجودها يفرض التحقق منها ومعالجتها بآليات واضحة. ومن الضروري أن تنشر الجهات المختصة معطيات حول حجم المحصول الذي جرى شراؤه فعليا، والكميات التي دخلت وحدات التحويل، والمنتجات التي وصلت إلى الأسواق، وآجال الأداء المتعاقد بشأنها، وعدد الشكاوى المتعلقة بالمستحقات ومآلها.
كما ينبغي وضع ضمانات تعاقدية أكثر صرامة، تشمل تحديد أجل واضح للأداء، وتوضيح شروط قبول المحصول ومعايير الجودة، وتوفير آلية للوساطة وتسوية النزاعات، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عند ثبوت إخلال أي طرف بالتزاماته.
التراخيص بين المراقبة وشبهات المحاباة
أعلنت الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي سحب ألف وأربعمائة وتسعين ترخيصا بسبب عدم احترام الإجراءات التنظيمية، منها نحو ألف وثلاثمائة ترخيص مرتبط بالزراعة، ومائة وتسعون ترخيصا تخص أنشطة أخرى، من بينها استيراد البذور والتحويل والتصنيع والتسويق والتصدير والنقل.
ويؤكد هذا الرقم أن المراقبة تشمل مختلف حلقات السلسلة، لكنه يطرح أيضا أسئلة حول طبيعة المخالفات المسجلة، وأسباب سحب التراخيص، ومدى احترام الفاعلين لدفاتر التحملات والتزاماتهم تجاه الفلاحين والتعاونيات.
وفي هذا السياق، تتطلب أي ادعاءات بشأن الفوضى في منح الرخص أو الزبونية والمحسوبية تحقيقا موثقا، ولا يجوز اعتبارها حقائق ثابتة من دون أدلة. غير أن الطريق الأكثر فعالية لقطع الشك باليقين هو نشر معايير منح التراخيص وتجديدها وسحبها، وتوضيح أسباب القرارات، وإتاحة مساطر التظلم، وإخضاع الإجراءات لتقييم مستقل يضمن تكافؤ الفرص بين المستثمرين.
كما يتعين أن تكون مراقبة الشركات بنفس صرامة مراقبة الفلاحين، لأن احترام القانون مسؤولية مشتركة. فلا يمكن أن تركز المنظومة على شروط الزراعة والتصاريح، بينما تظل الالتزامات المالية والتجارية تجاه المنتجين من دون تتبع كاف أو آجال واضحة لمعالجة النزاعات.
إعادة هيكلة الوكالة ضرورة تفرضها حصيلة الميدان
إن التحديات المطروحة في الحسيمة وتاونات وشفشاون تفتح نقاشا جديا حول الحاجة إلى مراجعة طريقة اشتغال الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، وتطوير نموذج حكامتها، وتقوية حضورها الميداني، وربط تدخلاتها بنتائج ملموسة بالنسبة إلى الفلاحين.
والمقصود بإعادة الهيكلة ليس إصدار حكم مسبق على جميع العاملين أو الإجراءات، بل إخضاع النموذج الحالي لتقييم شامل يحدد مكامن النجاح والتعثر، ويكشف حدود التنسيق بين الإنتاج والتحويل والتسويق، ويقيس مدى استفادة الفلاحين الصغار من القيمة الاقتصادية التي تخلقها السلسلة.
ومن بين الإصلاحات المطلوبة إحداث آلية دائمة لتلقي شكايات الفلاحين والتعاونيات وتتبعها، ونشر تقارير دورية عن وضعية التسويق ومستحقات المنتجين، وتطوير المواكبة القانونية والتجارية للتعاونيات، وربط التراخيص الاستثمارية بمدى احترام الالتزامات المعلنة. كما ينبغي توضيح دور الوكالة في معالجة النزاعات بين الفلاحين والشركات، وتحديد الجهات التي تتولى التدخل عندما يتعلق الأمر بمستحقات غير مؤداة أو بعقود لا تنفذ وفق شروطها.
ولا يقل أهمية عن ذلك إشراك ممثلي الفلاحين والتعاونيات في تقييم السياسات المعتمدة، لأن القرارات التي تصدر من دون الاستماع الكافي إلى المنتجين قد لا تعكس الصعوبات اليومية المرتبطة بالأرض والإنتاج والتكلفة والبيع.
حماية العلامة المغربية لا تكفي من دون حماية المنتج
اتخذت الوكالة خطوات لحماية الشعار الخاص بمنتجات القنب الهندي المغربي في أسواق خارجية، وأعلنت التوصل بإشعارات تتعلق بحمايته في بعض الدول الأوروبية، مع انتظار استكمال إجراءات مماثلة في دول أخرى. وتمثل حماية الهوية التجارية للمنتجات المغربية خطوة مهمة لتعزيز الثقة في منشئها وأصالتها.
لكن هذه الخطوة لن تحقق كامل أثرها ما لم تقترن بتوسيع التصنيع، وتطوير المنتجات النهائية، وبناء قنوات تسويق مستقرة، وضمان استفادة الفلاحين من القيمة المضافة التي تتحقق بعد تحويل المحصول. فالتصدير لا يبدأ عند حماية الشعار، بل من سلسلة متكاملة تشمل جودة الإنتاج، وقدرة وحدات التحويل، والامتثال للمعايير المطلوبة، ووجود مشترين فعليين، وعقود تجارية مستدامة.
ومن ثم، ينبغي أن تتحول استراتيجية التثمين إلى خطة قابلة للقياس، تتضمن أهدافا واضحة بشأن الكميات المحولة والمسوقة، والاستثمارات المنتجة، وفرص الشغل، ونصيب الفلاح من العائدات، مع نشر حصيلة دورية تتيح للرأي العام تقييم النتائج.
مشروع تنموي يحتاج إلى تصحيح المسار
لقد دخل مشروع تقنين القنب الهندي مرحلة لا يكفي فيها تقديم أرقام التراخيص والمساحات والإنتاج لإثبات النجاح. فالتحدي الحقيقي هو ألا تتحول الزراعة القانونية إلى عبء إضافي على الفلاحين، وألا يجد المنتج نفسه محاصرا بين تكاليف الموسم وشروط التعاقد وتأخر المستحقات وضعف منافذ التسويق.
ولا يمكن الجزم بأن المشروع فشل بصورة نهائية، لكنه يواجه اختبارات جدية في مدى قدرته على تحقيق وعوده التنموية، وهو ما يستدعي تصحيح المسار قبل اتساع فجوة الثقة بين الفلاحين والمؤسسات المشرفة على القطاع.
إن الحسيمة وتاونات وشفشاون لا تحتاج إلى توسيع الزراعة وحده، بل إلى منظومة عادلة تضمن للفلاح حقوقه، وللتعاونية قدرة حقيقية على التفاوض والتسويق، وللمستثمر قواعد واضحة ومسؤولة، وللدولة مؤشرات دقيقة تقيس النتائج لا الإجراءات فقط.
لقد آن الأوان لإطلاق تقييم شامل للمنظومة، ومراجعة آليات عمل الوكالة، وتعزيز الشفافية في منح التراخيص ومراقبة تنفيذ العقود، وتوفير ضمانات عملية لأداء المستحقات، وبناء سوق قادرة على استيعاب الإنتاج. فنجاح التقنين لن يقاس بعدد الهكتارات التي جرى حصادها، بل بمدى قدرة الفلاح على استرداد كلفة عمله والحصول على دخل منصف، وبما إذا كانت مناطق الريف ستجني فعلا ثمار مشروع قُدم باعتباره فرصة للتنمية وإدماج الفلاحين في اقتصاد قانوني ومستدام.






