صحة

عامل إقليم تاونات يُخرج مدير المجموعة الصحية بجهة فاس مكناس من مكتبه إلى الميدان.. تحرك مستعجل بعد أزمة مستشفى محمد الخامس وملف الأمصال وسيارات الإسعاف

لم يتأخر عبد الكريم الغنامي، عامل إقليم تاونات، كثيراً في التحرك على خلفية التداعيات التي أثارتها وضعية القطاع الصحي بالإقليم، بعدما أعادت الاختلالات المرتبطة بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس، وما أثير بشأن غياب الأمصال وتعطل سيارات الإسعاف، ملف الخدمات الصحية إلى واجهة النقاش المحلي، وهي معطيات سبق أن أثارها البرلماني محمد أحجيرة عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك.

وفي خطوة حملت مؤشرات على انتقال التعاطي مع الإشكالات الصحية من دائرة التشخيص والتواصل المؤسساتي إلى المتابعة الميدانية، ترأس عامل الإقليم، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، اجتماعاً بمقر العمالة، بحضور المدير العام للمجموعة الصحية الترابية لجهة فاس مكناس، مرفوقاً بأطر المجموعة ورئيس المنطقة الصحية الترابية بتاونات، خُصص لتدارس وضعية القطاع الصحي بالإقليم والإكراهات التي تعترض تحسين الخدمات المقدمة للساكنة.

ويأتي هذا الاجتماع في سياق يتسم بتزايد المطالب المحلية بتحسين الولوج إلى العلاج، وتوفير الأدوية والتجهيزات الضرورية، وضمان جاهزية سيارات الإسعاف، إلى جانب معالجة النقص في الموارد البشرية والتخصصات الطبية. وهي ملفات لم تعد، بالنسبة إلى الساكنة، مجرد تفاصيل إدارية، بل ترتبط بصورة مباشرة بحق المواطنين في الحصول على خدمات صحية تستجيب لحاجياتهم، خصوصاً في الحالات المستعجلة التي لا تحتمل التأخير.

وبحسب المعطيات الواردة في بلاغ عمالة إقليم تاونات، فقد شكل اللقاء مناسبة لتشخيص مختلف الإكراهات والصعوبات التي يعرفها القطاع، والبحث عن السبل الكفيلة بتجاوزها، بهدف تحسين العرض الصحي والارتقاء بجودة الخدمات، بما يستجيب لتطلعات سكان الإقليم.

الغنامي يضع القطاع الصحي تحت المجهر

وخلال الاجتماع، شدد عامل إقليم تاونات على ضرورة مضاعفة جهود مختلف المتدخلين، كل من موقعه ومسؤوليته، من أجل تحسين الولوج إلى العلاج، وتجويد الخدمات الصحية، ودعم الموارد البشرية، فضلاً عن تحسين ظروف العمل وتأهيل المؤسسات الصحية التابعة للإقليم وتزويدها بالتجهيزات والأدوية اللازمة.

وتعكس هذه المقاربة حرص السلطات الإقليمية على وضع الإشكالات الصحية ضمن دائرة التتبع المباشر، بالنظر إلى انعكاساتها الاجتماعية والإنسانية، خصوصاً في إقليم تتطلب جغرافيته وتوزيع تجمعاته السكانية توفير خدمات صحية قريبة من المواطنين، وتقليص الصعوبات التي تواجه المرضى في الوصول إلى المؤسسات الاستشفائية.

كما دعا عامل الإقليم إلى تغليب الواجب الوطني في تدبير هذا القطاع الحيوي، بما يجعل تحسين الخدمات الصحية مسؤولية مشتركة بين مختلف المؤسسات والمتدخلين، وليس مجرد التزام إداري تقتصر نتائجه على الاجتماعات أو البلاغات الرسمية.

ويكتسي هذا التحرك أهمية خاصة في ظل النقاش الذي أثارته وضعية المستشفى الإقليمي محمد الخامس، وما جرى تداوله بشأن توفر الأمصال وجاهزية سيارات الإسعاف، وهي ملفات تستدعي توضيحات دقيقة من الجهات الصحية المختصة، إلى جانب إجراءات عملية تضمن عدم تكرار الاختلالات التي قد تؤثر على سلامة المرضى وجودة التكفل بالحالات المستعجلة.

من بلاغات التشخيص إلى ضرورة الحضور الميداني

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى حصيلة تدخلات المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس مكناس، يطرح الوضع الصحي بتاونات سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة آليات التدبير الجديدة على الانتقال من تشخيص الصعوبات وإصدار البلاغات إلى معالجة الاختلالات داخل المؤسسات الصحية نفسها.

فالتواصل المؤسساتي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يعوض المعاينة المباشرة لظروف اشتغال المستشفيات، والوقوف على مدى توفر الأدوية والمستلزمات الطبية، وحالة سيارات الإسعاف، ومستوى حضور الأطر الصحية، فضلاً عن الاستماع إلى العاملين والمرضى والوقوف على الصعوبات التي تواجههم بشكل يومي.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية أن تقترن الاجتماعات التي تجمع المسؤولين الترابيين والصحيين بزيارات ميدانية منتظمة للمؤسسات المعنية، وبآليات واضحة لتتبع الالتزامات وتحديد المسؤوليات والآجال، حتى لا يظل تشخيص الإشكالات منفصلاً عن تنفيذ الحلول.

وفي هذا السياق، يكتسب تحرك عامل إقليم تاونات دلالة مؤسساتية، بالنظر إلى جمعه بين استدعاء المسؤولين المعنيين إلى طاولة النقاش والانتقال إلى معاينة مشروع استشفائي جديد، بما يتيح الوقوف على جانب من حاجيات الإقليم الصحية، مع إبقاء التحدي الأساسي مرتبطاً بمدى انعكاس هذه التحركات على الخدمات اليومية المقدمة للمواطنين.

كما تأتي هذه الخطوة في سياق مطالب واحتجاجات سابقة مرتبطة بصعوبات الولوج إلى العلاج، من بينها تنقل مرضى من الإقليم إلى مدينة فاس للاستفادة من خدمات صحية أو تخصصات لا تتوفر محلياً بالقدر الكافي. وهي وضعية تجعل من تحسين العرض الصحي داخل تاونات ضرورة ملحة، بالنظر إلى ما يفرضه التنقل من أعباء مالية وجسدية على المرضى وأسرهم.

المستشفى الجديد بمزراوة.. مشروع بـ515 مليون درهم

ولم يقتصر برنامج التحرك الذي قاده عامل الإقليم على الاجتماع المخصص لتدارس وضعية القطاع، بل شمل أيضاً زيارة تفقدية لورش بناء المستشفى الإقليمي الجديد بجماعة مزراوة، بحضور المدير العام للمجموعة الصحية الترابية لجهة فاس مكناس والوفد المرافق لهما.

وخلال الزيارة، ترأس عامل الإقليم جلسة عمل مع رؤساء الأوراش، واطلع على مختلف مرافق المشروع، حيث قدمت للوفد شروحات بشأن مراحل الإنجاز ومستوى تقدم الأشغال.

وحسب بلاغ عمالة إقليم تاونات، يمتد المشروع على مساحة إجمالية تبلغ 11 هكتاراً و37 سنتياراً، بمساحة مبنية تصل إلى 31 ألفاً و92 متراً مربعاً، فيما تبلغ طاقته الاستيعابية المرتقبة 120 سريراً، بغلاف مالي إجمالي يقدر بـ515 مليون درهم، في إطار شراكة بين وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وولاية جهة فاس مكناس.

وأوضح البلاغ أن نسبة تقدم الأشغال بلغت نحو 40 في المائة، في وقت يجري فيه التفكير في الإجراءات الضرورية لتشغيل المؤسسة بعد استكمال بنائها، بما يشمل توفير المعدات الطبية اللازمة والموارد البشرية والتخصصات الضرورية.

ويُرتقب أن يشكل هذا المشروع رافعة لتعزيز العرض الصحي بالإقليم، والمساهمة في تخفيف الضغط عن المؤسسات الاستشفائية الأخرى بالجهة، فضلاً عن تحسين التكفل بالحالات المستعجلة وتنظيم مسار العلاج وتقريب الخدمات من المواطنين.

غير أن أهمية المشروع لا ترتبط فقط بحجم الاستثمار أو الطاقة الاستيعابية المعلنة، بل تتوقف أيضاً على جاهزية شروط تشغيله، من خلال توفير الأطباء والممرضين والتقنيين، وضمان التجهيزات والأدوية، ووضع تنظيم إداري وطبي يسمح باستثمار قدراته لفائدة ساكنة الإقليم.

الرهان الحقيقي هو تحسين الخدمات اليومية

وبين اجتماع العمالة وزيارة ورش المستشفى الجديد، يبرز الرهان المطروح أمام المسؤولين الترابيين والصحيين في تاونات: تحويل التشخيص إلى إجراءات قابلة للقياس، وربط الالتزامات المعلنة بتحسن ملموس في ظروف الاستقبال والعلاج والتكفل بالمرضى.

فانتظارات الساكنة لا تتوقف عند الإعلان عن المشاريع المستقبلية، مهما بلغت أهميتها المالية والاجتماعية، بل تمتد إلى ضمان توفر الخدمات الأساسية داخل المؤسسات القائمة، واستمرارية عمل سيارات الإسعاف، وتوفير الأدوية والأمصال والمستلزمات الطبية، والتعامل السريع مع الحالات التي تستدعي تدخلاً عاجلاً.

وبذلك، فإن التحرك الذي قاده عبد الكريم الغنامي يضع ملف الصحة بالإقليم في صلب المتابعة الترابية، لكنه يفتح في الوقت نفسه باب المساءلة حول نجاعة التدبير الصحي ومدى قدرة المجموعة الصحية الترابية على ترجمة وعود التشخيص والتأهيل إلى نتائج ملموسة.

ويبقى الاختبار الفعلي لهذه الدينامية مرتبطاً بما ستسفر عنه الإجراءات المقبلة، وبمدى انتظام الزيارات الميدانية، وتحديد الأولويات الاستعجالية، ومتابعة تنفيذ الحلول، حتى لا تتحول الاجتماعات إلى محطات ظرفية، بل إلى بداية مسار عملي يعيد الثقة في الخدمات الصحية ويستجيب لانتظارات ساكنة إقليم تاونات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى