ثقة الأسر المغربية تتحسن سنوياً رغم استمرار تدهور المعيشة ومخاوف البطالة وضغط المصاريف

كشفت نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط برسم الفصل الثالث من سنة 2026، عن استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الأسر المغربية، رغم التحسن المسجل في مؤشر الثقة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، في وقت لا تزال فيه التوقعات المرتبطة بمستوى المعيشة والبطالة والقدرة على الادخار تعكس حالة من القلق بشأن المستقبل.
وأفادت المندوبية بأن مؤشر ثقة الأسر بلغ 59,2 نقطة خلال الفصل الثالث من السنة الجارية، مقابل 53,6 نقطة خلال الفصل الثالث من سنة 2025، مسجلاً بذلك تحسناً على أساس سنوي، وإن كان قد عرف تراجعاً طفيفاً مقارنة بالفصل الثاني من السنة نفسها.
ويعكس هذا التطور تحسناً نسبياً في مؤشر الثقة، لكنه لا يعني بالضرورة تجاوز الصعوبات المعيشية، إذ تكشف تفاصيل البحث عن استمرار النظرة السلبية لدى غالبية الأسر بشأن تطور قدرتها الشرائية ومستقبل وضعها الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بمستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، صرحت 76,3 في المائة من الأسر بأن هذا المستوى تدهور، مقابل 18,5 في المائة اعتبرت أنه استقر، فيما لم تتجاوز نسبة الأسر التي سجلت تحسناً 5,2 في المائة. وبناء على هذه المعطيات، استقر رصيد الآراء عند ناقص 71,1 نقطة، بما يعكس اتساع نطاق التقييمات السلبية للوضع المعيشي.
ولا تبدو التوقعات المستقبلية أكثر تفاؤلاً، إذ تنتظر 51,7 في المائة من الأسر تدهور مستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، بينما تتوقع 39,6 في المائة استقراره، ولا ترجح تحسنه سوى 8,7 في المائة. وبلغ رصيد الآراء المرتبط بهذا المؤشر ناقص 43 نقطة، ما يعكس استمرار المخاوف من انعكاسات الظروف الاقتصادية على الحياة اليومية للأسر.
البطالة والقدرة الشرائية في صلب المخاوف
وتبرز البطالة ضمن أبرز مصادر القلق التي رصدها البحث، حيث تتوقع 61,3 في المائة من الأسر ارتفاع عدد العاطلين خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مقابل 17,3 في المائة تتوقع انخفاضه، ليستقر رصيد الآراء عند ناقص 44 نقطة.
وتكشف هذه النتيجة عن استمرار التشاؤم بشأن آفاق سوق الشغل، في ظل ارتباط التشغيل مباشرة باستقرار المداخيل وقدرة الأسر على مواجهة تكاليف الحياة والوفاء بالتزاماتها المالية.
وفي السياق نفسه، لا تزال الرغبة في اقتناء السلع المستديمة تواجه قيوداً واضحة، إذ اعتبرت 63,8 في المائة من الأسر أن الظروف غير ملائمة لشراء هذه السلع، مقابل 14,5 في المائة رأت أنها ملائمة. وبلغ رصيد الآراء المتعلق بهذا المؤشر ناقص 49,3 نقطة.
وتعكس هذه الأرقام ضعف التقييم العام للقدرة على تحمل النفقات المرتبطة بالمشتريات الكبرى، التي تشمل عادة التجهيزات المنزلية وغيرها من السلع التي يمكن تأجيل اقتنائها عندما تتزايد الضغوط على ميزانية الأسرة.
المداخيل لا تتيح هامشاً واسعاً للادخار
وعلى مستوى الوضعية المالية الحالية، أظهرت نتائج البحث أن 58,2 في المائة من الأسر تصرح بأن مداخيلها تكفي لتغطية مصاريفها، في حين أفادت 39 في المائة بأنها تضطر إلى الاقتراض أو السحب من مدخراتها لمواجهة نفقاتها، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر التي تتمكن من ادخار جزء من مداخيلها 2,8 في المائة.
وبلغ رصيد الآراء المتعلق بالوضعية المالية الحالية ناقص 36,2 نقطة، في مؤشر على محدودية هامش المناورة المالية لدى شريحة واسعة من الأسر، وعلى صعوبة الانتقال من مجرد تغطية المصاريف اليومية إلى تكوين احتياطي مالي يمكن الاعتماد عليه في مواجهة النفقات غير المتوقعة.
أما بخصوص تطور الوضعية المالية خلال الاثني عشر شهراً الماضية، فقد اعتبرت 44,9 في المائة من الأسر أنها تدهورت، مقابل 4,7 في المائة صرحت بتحسنها، ليستقر رصيد الآراء عند ناقص 40,2 نقطة.
وفي ما يتعلق بالتوقعات الخاصة بالاثني عشر شهراً المقبلة، تتوقع 65,1 في المائة من الأسر استقرار وضعيتها المالية، بينما ترجح 18,4 في المائة تدهورها، مقابل 16,5 في المائة تتوقع تحسنها. وبلغ رصيد الآراء المرتبط بهذا المؤشر ناقص 1,9 نقطة، وهو مستوى يقترب من التوازن، لكنه لا يعكس وجود تفاؤل واسع بشأن تحسن الأوضاع المالية للأسر.
تحسن المؤشر لا يلغي مؤشرات الضغط الاجتماعي
وتستند المندوبية السامية للتخطيط في احتساب مؤشر ثقة الأسر إلى سبعة مؤشرات فرعية، أربعة منها ترتبط بالوضعية العامة للاقتصاد، وتشمل التطورات السابقة لمستوى المعيشة وآفاق تطوره والتوقعات المتعلقة بأعداد العاطلين وفرص اقتناء السلع المستديمة، فيما تتعلق المؤشرات الثلاثة الأخرى بالوضعية المالية للأسر، سواء في الوقت الراهن أو خلال الفترات السابقة والمقبلة.
وتوضح نتائج الفصل الثالث من سنة 2026 أن التحسن السنوي في مؤشر الثقة يتعايش مع استمرار تقييمات سلبية لدى غالبية الأسر بشأن المعيشة والبطالة والقدرة على الادخار. كما أن ارتفاع نسبة الأسر التي تلجأ إلى الاقتراض أو مدخراتها لتغطية النفقات يسلط الضوء على حجم الضغوط التي تواجه ميزانياتها.
وبذلك، فإن قراءة المؤشر الإجمالي بمعزل عن تفاصيله قد لا تعكس الصورة الكاملة للظرفية الاجتماعية؛ فالأرقام تظهر تحسناً مقارنة بالسنة الماضية، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن استمرار الحذر والتوجس لدى الأسر المغربية، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل مستوى المعيشة وفرص الشغل واستقرار الموارد المالية.






