“الشيشة بنكهة سياسية: حين تتحول محاربة التدخين إلى حملة انتخابية مقنعة”

في مدينة فاس، التي تواجه تحديات اجتماعية متفاقمة بفعل تفشي آفات الإدمان والتدخين والمخدرات، اختارت جمعية محسوبة على أحد الأحزاب السياسية المشكلة للأغلبية الحكومية أن تنظم ندوة لمحاربة التدخين و”الشيشة” تحت شعار اجتماعي-صحي، لكنها جاءت بنكهة سياسية واضحة، ما أثار الكثير من الجدل والسخرية في الأوساط المحلية.
الندوة، التي حملت عنوانًا لامعًا يوحي بجدية الطرح، افتقرت في مضمونها للحد الأدنى من مقومات التخصص والمصداقية. لم يحضرها أطباء مختصون، ولا ممثلون عن كليات الطب أو المستشفى الجامعي، ولم تُوجه الدعوة إلى مصالح الأمن أو الأجهزة المعنية بملف المخدرات، بل غصّت القاعة بإنزال لوجوه سياسية معروفة بانتمائها للحزب المنظم، فيما شارك آخرون مرغمين، بالنظر إلى أن وزراء هذا الحزب يدبرون القطاعات التي ينتمون إليها إداريًا.
هذا المشهد أعاد إلى الواجهة تساؤلات حقيقية حول جدوى العمل الجمعوي حين يُسخّر لخدمة أجندات انتخابية أو حزبية ضيقة، بدل أن ينخرط بصدق في معالجة قضايا مجتمعية حساسة مثل الإدمان والتدخين، خاصة في ظل واقع مقلق تعيشه المدينة.
ففي الوقت الذي ما تزال فيه الحكومة تعجز عن تفعيل القانون المتعلق بمنع التدخين في الأماكن العمومية، تُواصل أوكار “الشيشة” في فاس نشاطها بشكل عشوائي، دون تراخيص قانونية واضحة، بل وتحولت إلى فضاءات لاستقطاب التلاميذ والطلبة، وتعريضهم للإدمان بمختلف درجاته. الأسوأ من ذلك، أن آفة “البوفا”، وهي من أخطر أنواع المخدرات وأكثرها انتشارًا بسبب رخص ثمنها، باتت تتغلغل بشكل مقلق في الأحياء الهامشية وداخل المؤسسات التعليمية.
وسط هذا الواقع، يتساءل كثيرون: كيف يمكن لمثل هذه الجمعيات أن تدّعي محاربة التدخين والمخدرات، في حين أن عدداً من أعضائها يتواجدون داخل هيئات منتخبة، ولم يسبق لهم أن بادروا إلى المطالبة بتفعيل قرارات إغلاق المقاهي المشبوهة أو إطلاق حملات لمكافحة الظاهرة عبر آليات المجلس الجماعي أو غيره من المجالس الترابية؟فيما تتواجد وجوها معروفة في عالم السياسة او لهم علاقات متشعبة مع المنتخبين و هم بذاتهم من يتحكمون في أوكار الشيشة المنتشرة بالعاصمة العلمية.
إن الربط بين العمل الجمعوي والعمل السياسي الحزبي، في مثل هذه الأنشطة، يضر أكثر مما ينفع، ويزيد من فقدان الثقة في الجمعيات التي يفترض أن تشتغل باستقلالية ومصداقية. فالحديث عن “محاربة الشيشة” لا يمكن أن يكون جاداً إذا كان الغرض منه تسجيل نقاط انتخابية أو كسب تعاطف ظرفي مع اقتراب الاستحقاقات.
كما أن استغلال القاعات العمومية لتنظيم أنشطة تفتقر إلى الجدوى والمصداقية، بات يطرح إشكالية عميقة تتطلب موقفاً واضحاً من السلطات، التي يقع على عاتقها ضمان حياد المرافق العمومية ومنع استخدامها لخدمة مصالح ضيقة. فليس من المقبول أن تتحول القاعات التابعة لجماعة فاس إلى منصات لحملات مموهة، بينما يُغلق الباب أمام جمعيات أخرى ذات طابع علمي أو تنموي حقيقي.
فاس، المدينة التي تعاني من اختلالات عمرانية واجتماعية واقتصادية عميقة، تحتاج إلى سياسة محلية جادة، وإلى مسؤولين يفصلون بوضوح بين الانتماء الحزبي والعمل الميداني. أما أن تتحول الحملات التحسيسية إلى واجهة لعرض العضلات السياسية، فهذا لا يخدم لا المدينة، ولا شبابها، ولا حتى الديمقراطية نفسها.
في النهاية، تبقى محاربة التدخين والمخدرات قضية مجتمع بأكمله، وليست مطية انتخابية عابرة. وإذا كان لابد من ندوة أو نشاط، فليكن بحضور الخبراء، المتخصصين، والإحصائيات، وبعيدا عن “النيكوتين السياسي” الذي يخنق النوايا الحسنة قبل أن تتنفس.






