سياسة

التجمع الوطني للأحرار يشحن آلياته السياسية لاستكمال ولايته التشريعية وتأكيد موقعه في المشهد الوطني

أعاد الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الخامسة من الولاية الحادية عشرة تحريك مياه السياسة الوطنية، بعدما حمل رسائل واضحة حول أولوية الإصلاح التنموي وتعزيز فعالية المؤسسات وتحقيق العدالة المجالية. وإذا كان الخطاب قد شكّل محطة مفصلية في تحديد وجهة المرحلة المقبلة، فإنه كان بمثابة شحنة سياسية قوية لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة، والذي وجد فيه فرصة لتجديد شرعيته السياسية وتعزيز مبررات استكمال ولايته التشريعية.

فالحزب تفاعل بسرعة مع مضامين الخطاب، مؤكداً في بيان رسمي أن التوجيهات الملكية جاءت واضحة في تشخيص التحديات وتحديد أولويات التنمية، وأنها تعطي دينامية جديدة لمؤسسات الدولة وتدعم مسار الإصلاحات الكبرى. وفي الوقت الذي يتعرض فيه حزب التجمع الوطني للأحرار لانتقادات متزايدة من المعارضة بسبب ملفي التعليم والصحة والأزمة الاجتماعية، اعتبر الخطاب الملكي بمثابة نقطة ارتكاز جديدة تمنحه مجالاً سياسياً لاستعادة المبادرة وتحسين صورته الحكومية.

وركز الحزب في تفاعله السياسي على التوجيه الملكي المتعلق بإطلاق جيل جديد من البرامج التنموية الترابية، وهو ما وصفه التجمع بأنه “مسار يتجاوز الزمن الانتخابي”، موضحاً أن حكومته شرعت فعلياً في إعداد تصور لهذه البرامج من أجل إدراجها ضمن قانون المالية لسنة 2026. ويبدو أن الحزب يسعى من خلال هذا الموقف إلى تأكيد التزامه بالاستمرارية المؤسساتية وربط برنامجه السياسي بالمشاريع الاستراتيجية التي يقودها الملك، حتى يضمن استمراره في المشهد السياسي لما بعد انتخابات 2026.

كما أبرز الحزب أهمية العدالة المجالية وتطوير المناطق الهشة كالأطلس والواحات وفك العزلة عن الوسط القروي وربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. ويعتبر هذا التوجه محاولة من الحزب لإعادة التموضع اجتماعياً، خصوصاً في ظل الانتقادات الموجهة له باعتباره أقرب إلى النخب الاقتصادية منه إلى الفئات الشعبية.

وفي الجانب المتعلق بالإصلاحات الاجتماعية، شدد الحزب على أن الانطلاقة الجديدة التي تحدث عنها الخطاب الملكي تمر عبر إصلاح القطاعات الحيوية في مقدمتها التعليم والصحة والتشغيل. وفي هذا السياق، حاول الحزب تقديم صورة عن نفسه باعتباره حكومة “الجرأة الإصلاحية”، مؤكداً أنه لا يرى تناقضاً بين المشاريع الاستثمارية الكبرى والبرامج الاجتماعية ما دام الهدف هو بناء “المغرب الصاعد والمتضامن”.

سياسياً، وجد الحزب في المضامين الملكية المتعلقة بأدوار الوساطة وتأطير المواطنين فرصة لإعادة التأكيد على التزامه بالقيام بأدواره الدستورية داخل المجتمع، وهو ما اعتبره خصومه السياسيون محاولة لصد الخطاب الشعبي المتنامي الذي يتهم الأحزاب بالغياب وضعف الفعالية الحزبية. كما شدد التجمع الوطني للأحرار على مواصلة الانخراط في تعزيز الدبلوماسية الحزبية والبرلمانية لخدمة القضايا الوطنية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.

ويبدو من خلال مضمون بيان الحزب أن رسائله السياسية تجاوزت مجرد التفاعل التقليدي مع خطاب ملكي، نحو إعادة تثبيت تموقعه السياسي في أفق الاستحقاقات المقبلة. كما أن اللغة التي استعملها البيان تُظهر رغبة في استثمار اللحظة السياسية ومعالجة الضغط الشعبي الذي ظهر مؤخراً بسبب تصاعد المطالب الاجتماعية واحتجاجات الشارع بقيادة الشباب، أو ما يصطلح عليه بـ”جيل Z”.

وفي ختام موقفه، دعا الحزب إلى التكتل حول المؤسسة الملكية واستكمال مسار الخيار الديمقراطي، مؤكداً أن الربح السياسي في المرحلة المقبلة لن يكون لمن يرفع الشعارات فقط، بل لمن يملك مشروعاً إصلاحياً واضحاً ويتوفر على القدرة التنفيذية الفعلية. وبهذه الرسائل، يكون التجمع الوطني للأحرار قد استثمر الخطاب الملكي لإعادة بناء خطابه السياسي وإظهار نفسه كفاعل حكومي قادر على مواصلة الولاية الحالية والسعي نحو ولاية ثانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى