سياسة

أخنوش ينسحب… والانتقادات تختفي! كيف أصبح رئيس الحكومة أكبر المستفيدين من تنحيه عن قيادة “الأحرار”؟

في السياسة، ليست كل القرارات التنظيمية مجرد إجراءات داخلية داخل الأحزاب، بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى مناورات سياسية ذكية تعيد ترتيب المشهد وتغير قواعد اللعبة. وهذا بالضبط ما يبدو أنه حدث بعد تنحي عزيز أخنوش عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، في خطوة أحدثت تحولا واضحا في النقاش السياسي داخل المغرب.

فالرجل الذي ظل لسنوات في قلب عاصفة الانتقادات السياسية والإعلامية، بسبب ملفات اقتصادية واجتماعية متعددة، وجد نفسه فجأة خارج دائرة المواجهة الحزبية المباشرة، في لحظة بدا فيها أن صوت الانتقادات قد خفت بشكل لافت، وأن حدة الخطاب السياسي لدى أحزاب المعارضة وحتى بعض مكونات الأغلبية قد تراجعت بشكل غير مسبوق.

وهنا يطرح سؤال كبير داخل الأوساط السياسية:
هل كان تنحي أخنوش مجرد قرار تنظيمي داخل الحزب، أم أنه خطوة سياسية محسوبة بدقة أخرجت رئيس الحكومة من دائرة النار؟

أخنوش… أكبر المستفيدين

إذا كان هناك طرف خرج رابحًا من هذه المعادلة الجديدة، فإن كثيرين يرون أن أخنوش نفسه هو أكبر المستفيدين من هذا القرار.

فطوال السنوات الماضية، كان رئيس الحكومة يواجه موجة من الانتقادات المتواصلة، سواء داخل البرلمان أو في النقاش العمومي. وكانت أحزاب المعارضة، بل وحتى بعض الأصوات داخل الأغلبية، تركز خطابها السياسي على شخصه باعتباره في الوقت نفسه رئيس الحكومة وزعيم الحزب القائد للأغلبية.

هذا الجمع بين الموقعين جعل كل قرار حكومي يتحول تلقائيًا إلى مادة للمعارك السياسية.

لكن مع تنحيه عن قيادة الحزب، تغيرت المعادلة. فقد خرج الرجل من دائرة الصراع الحزبي المباشر، وبات يظهر في صورة رئيس حكومة يركز على تدبير الشأن العام، دون أن يكون في واجهة الاشتباك السياسي اليومي.

اختفاء مفاجئ للانتقادات

الأمر الأكثر إثارة للانتباه هو أن حدة الانتقادات التي كانت تطال الحكومة تراجعت بشكل واضح بعد هذا القرار.

فخلال الأشهر الماضية، كان موضوع غلاء الأسعار يحتل صدارة الخطاب السياسي، وكانت أحزاب المعارضة ترفع نبرة انتقاداتها بشكل متكرر داخل البرلمان وفي وسائل الإعلام.

لكن مع بداية شهر رمضان، ومع إعلان تنحي أخنوش عن قيادة الحزب، بدا وكأن الخطاب السياسي قد دخل مرحلة من الهدوء المفاجئ.

فعدد من الأحزاب التي كانت تصف السياسات الحكومية بالفاشلة خففت من حدة تصريحاتها، كما تراجع النقاش السياسي حول بعض الملفات الساخنة التي كانت تشعل الجدل داخل الساحة السياسية.

هذا التحول دفع بعض المتابعين إلى القول إن التنحي نجح في “تخدير” جزء من المشهد السياسي، حيث فقدت المعارضة أحد أبرز أهدافها في الهجوم السياسي.

خروج من “سوق الفراقشية” السياسي

داخل الكواليس السياسية، يصف بعض المراقبين ما حدث بأنه خروج ذكي من “سوق الفراقشية” السياسي، أي من حالة الاشتباك الدائم بين الحكومة والمعارضة.

فحين يكون رئيس الحكومة أيضًا رئيس الحزب القائد للأغلبية، يصبح هدفًا مباشرًا للهجمات السياسية. لكن عندما ينفصل الموقعان، تتغير طبيعة المعركة.

وبهذا القرار، تمكن أخنوش من تفكيك جزء من الضغط السياسي الذي كان يلاحقه منذ توليه رئاسة الحكومة.

كما أن مسألة تضارب المصالح التي كانت تُطرح باستمرار في النقاش السياسي تراجعت حدتها بشكل ملحوظ بعد هذا التحول.

العودة إلى الميدان… أكادير في الواجهة

اللافت أيضًا أن أخنوش أصبح يظهر بشكل أكبر في أكادير، المدينة التي يرأس مجلسها الجماعي.

هذا الحضور الميداني المتزايد يعطي الانطباع بأن الرجل يسعى إلى إعادة بناء صورته السياسية من بوابة العمل المحلي، عبر التركيز على المشاريع التنموية والقرب من المواطنين.

فأكادير تشكل قاعدة سياسية قوية بالنسبة له، وقد كانت دائمًا إحدى نقاط قوته الانتخابية.

لذلك فإن التركيز على العمل المحلي قد يكون جزءًا من استراتيجية لإعادة ترميم العلاقة مع الشارع بعد سنوات من الانتقادات المرتبطة بالسياسات الحكومية.

المعارضة… فقدت هدفها

من جهة أخرى، يبدو أن قرار التنحي وضع أحزاب المعارضة أمام وضعية سياسية جديدة.

فخلال السنوات الماضية، كان خطاب هذه الأحزاب موجهاً بشكل مباشر إلى أخنوش باعتباره الرمز السياسي للأغلبية الحكومية.

لكن بعد خروجه من قيادة الحزب، لم يعد من السهل توجيه نفس النوع من الانتقادات.

وهذا ما جعل بعض المتابعين يتحدثون عن ارتباك داخل المعارضة، التي وجدت نفسها أمام معادلة سياسية جديدة لم تكن في الحسبان.

ماذا ينتظر حزب “الأحرار”؟

لكن السؤال الأهم اليوم يتعلق بمستقبل حزب التجمع الوطني للأحرار بعد خروج أخنوش من قيادته.

فالحزب الذي أعاد أخنوش بناءه منذ سنة 2016 ونجح في قيادته للفوز بالانتخابات التشريعية لسنة 2021، يجد نفسه اليوم أمام مرحلة جديدة قد تكون اختبارًا حقيقيًا لقوته التنظيمية.

فهل يستطيع الحزب الاستمرار بنفس الزخم دون زعيمه التاريخي في الواجهة؟
أم أن المرحلة المقبلة ستكشف عن صراعات داخلية على القيادة؟

هذه الأسئلة ستحدد بشكل كبير مستقبل الحزب في السنوات القادمة.

السياسة… لعبة التوقيت

في النهاية، يبدو أن تنحي أخنوش لم يكن مجرد خطوة تنظيمية عادية، بل قرارًا سياسياً أعاد ترتيب موازين القوى داخل المشهد الحزبي.

فالرجل الذي كان في قلب العاصفة السياسية خرج فجأة من واجهة الاشتباك، بينما تراجعت حدة الانتقادات التي كانت تلاحقه.

وهنا يبرز درس سياسي واضح:
في عالم السياسة، ليست القوة فقط في مواجهة الخصوم، بل أحيانًا في معرفة متى تنسحب من الواجهة.

وبين من يرى في هذه الخطوة مناورة ذكية، ومن يعتبرها مجرد إعادة ترتيب للأدوار، يبقى المؤكد أن أخنوش نجح في الخروج من دائرة الضغط السياسي… وربما كسب جولة جديدة في لعبة التوازنات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى