سياسة

بنكيران يرفع سقف المواجهة من الدار البيضاء.. هجوم على أخنوش ولقجع ولشكر ورسالة حادة إلى خصوم العدالة والتنمية

اختار عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مهرجاناً خطابياً لحزبه بالدار البيضاء مساء الاثنين 14 شتنبر، لرفع سقف خطابه السياسي في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، موجهاً انتقادات مباشرة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة فوزي لقجع، والكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر، إلى جانب استحضاره عودة حميد شباط إلى الواجهة السياسية، في خطاب اتسم بحدة واضحة ورسائل متعددة الاتجاهات.

وقدم بنكيران خرجته الجديدة باعتبارها امتداداً لمعركة سياسية يخوضها حزب العدالة والتنمية ضد ما يعتبره محاولات للتحكم في المشهد الحزبي وتوجيه اختيارات الناخبين، مؤكداً أن الانتخابات المقبلة يجب أن تترك للمغاربة لاختيار من يمثلهم، رافضاً، في الوقت نفسه، أي تصور لوجود حزب يحظى بوضع خاص باعتباره قريباً من الملك.

وقال بنكيران إن المغاربة أصبحوا أكثر نضجاً ولا يريدون من يتحكم فيهم أو يتلاعب بهم، معتبراً أن المعركة السياسية، من وجهة نظره، تدور بين من يريد خدمة الشعب في إطار الملكية ومن يسعى إلى استغلال القرب منها للتأثير في الحياة السياسية. كما جدد رفضه لما سماه فكرة وجود «حزب للملك»، مؤكداً أن الملك هو رئيس الدولة وأن الأحزاب تتنافس على أساس البرامج والاختيارات السياسية.

وفي مواجهة مباشرة مع عزيز أخنوش، عاد بنكيران إلى ملف المحروقات، مكرراً اتهاماته السابقة بشأن وجود تواطؤ أضر بمصالح المواطنين، وداعياً رئيس الحكومة إلى اللجوء إلى القضاء إذا كان يعتبر هذه الاتهامات غير صحيحة. كما استحضر ملفات أخرى، من بينها استيراد الأغنام وصفقات الأدوية وتحلية مياه البحر، ووجه انتقادات إلى طريقة تدبير عدد من الملفات خلال الولاية الحكومية الحالية.

وبخصوص فوزي لقجع، حاول بنكيران التمييز بين العلاقة الشخصية والموقف السياسي، مؤكداً أن علاقته به كانت ودية وما تزال كذلك، لكنه انتقد دخوله إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مستعملاً تشبيهاً سياسياً قال فيه إن من اختار ركوب «سيارة مخرشّة» لا يمكنه، حسب تعبيره، أن يتوقع الوصول أولاً في السباق.

ولم يخل خطاب بنكيران من رسائل موجهة إلى رجال الأعمال، خصوصاً في سياق حديثه عن لقاءات سياسية جمعت قيادات حزبية بفعاليات اقتصادية. ودعا رجال الأعمال إلى عدم الخوف، ملوحاً بوجود مخاوف من استعمال أدوات الإدارة والرقابة ضد من لا يساير بعض الاختيارات السياسية، وهي اتهامات قدمها بنكيران في إطار خطابه الانتخابي ولم يقدم بشأنها، في كلمته، معطيات جديدة تثبتها.

كما عاد الأمين العام للعدالة والتنمية إلى خلافه مع إدريس لشكر، مستحضراً أجواء مفاوضات تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016، ومتهماً الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي بالتخلي عنه آنذاك بعد توجهه نحو عزيز أخنوش. ورد بنكيران على تصريحات لشكر الأخيرة بشأن المعاشات، مستعيداً بدوره النقاش القديم حول معاشات المسؤولين السابقين.

ولم يكن استحضار حميد شباط أقل دلالة، إذ وظف بنكيران عودته إلى الواجهة السياسية للتأكيد على أن المشهد الانتخابي الحالي يشهد، وفق قراءته، عودة شخصيات سياسية قديمة إلى المنافسة، في وقت يسعى فيه حزب العدالة والتنمية إلى تقديم نفسه كقوة سياسية ما تزال قادرة على الحضور والتعبئة رغم التراجع الكبير الذي تعرض له في انتخابات 2021.

وتأتي خرجة الدار البيضاء بعد سلسلة من الخرجات الانتخابية لبنكيران خلال الأيام الأخيرة، بدأت من تطوان مروراً بطنجة وصولاً إلى الدار البيضاء، حيث اختار الأمين العام للعدالة والتنمية في كل محطة رفع مستوى المواجهة مع خصوم حزبه، والتأكيد على أن «المصباح» لم يغادر المعركة السياسية.

ففي طنجة، أكد بنكيران أن حزبه ينافس على الصدارة في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، وقدم المشاركة باعتبارها معركة حاسمة، داعياً المواطنين إلى التصويت وعدم ترك المجال لما وصفه بمحاولات التحكم في اختيارات الناخبين.

وفي خطابه بالدار البيضاء، ذهب أبعد من ذلك، مؤكداً أن العدالة والتنمية لن يقبل بما يعتبره محاولة لفرض اختيارات سياسية على المغاربة، ومشدداً على أن الحزب، حسب تعبيره، يمتلك ما سماه «مناعة» تجعله قادراً على قول «نعم» عندما يرى ذلك ضرورياً و«لا» عندما يقتضي الأمر ذلك.

وتكشف هذه الوقائع أن العدالة والتنمية يدخل الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية بخطاب سياسي أكثر هجومية، يقوده بنكيران شخصياً، فيما تتحرك قيادات أخرى للحزب بلهجات ومداخل مختلفة، بين مهاجمة الحكومة، والدفاع عن المرجعية السياسية للحزب، وانتقاد خصومه، وطرح قضايا الإصلاح والديمقراطية والحكامة.

وفي مقابل ذلك، يبدو أن بنكيران يحاول استثمار حضوره الشخصي وخبرته السابقة في رئاسة الحكومة لإعادة الحزب إلى واجهة النقاش السياسي، خصوصاً بعدما ظل «المصباح» منذ انتخابات 2021 خارج دائرة التدبير الحكومي.

وبين خرجاته المتتالية، ومواقفه الحادة من أخنوش ولقجع ولشكر، واستحضاره لملفات المحروقات والصفقات والمال العام، ثم رسائله بشأن استقلال القرار الانتخابي، يبعث بنكيران برسالة سياسية واضحة مفادها أنه لا ينوي الانسحاب من المواجهة، وأنه ما زال يعتبر نفسه طرفاً أساسياً في المعركة الانتخابية وفي مستقبل المشهد الحزبي.

ويبدو أن الأيام المتبقية قبل اقتراع 23 شتنبر ستشهد مزيداً من التصعيد الخطابي، خصوصاً أن بنكيران اختار أن يخوض الحملة بنفسه، وأن يحول مهرجانات العدالة والتنمية إلى منصات لمواجهة خصوم الحزب والدفاع عن بقائه لاعباً سياسياً، في محاولة لإثبات أن «المصباح» لم يستسلم بعد لنتائج 2021، وأن قيادته ما تزال مصرة على العودة إلى الواجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى