قضايا

فاس تحت ضغط فوضى الدراجات النارية.. مواطنون يواجهون الرعب في الشوارع ومطالب بتدخل أمني حازم

لم تعد شكايات عدد من مستعملي الطريق بمدينة فاس بشأن الدراجات النارية مجرد ملاحظات عابرة حول سلوكيات مزعجة، بل تحولت، بالنسبة إلى مواطنين وسائقين، إلى إحساس متزايد بانعدام الأمان في عدد من الشوارع والأحياء، بسبب السرعة المفرطة، والمناورات الخطيرة، والضجيج الليلي، والفرار بعد حوادث السير، فضلاً عن استعمال بعض الدراجات في ارتكاب جرائم السرقة.

وتتضاعف حدة هذا الشعور عندما يجد سائق سيارة نفسه أمام دراجة نارية تنحرف بشكل مفاجئ، أو تقطع الطريق دون احترام الأسبقية، أو تسير عكس الاتجاه، ثم يغادر سائقها المكان بعد التسبب في أضرار مادية. وهي تجربة مررية باتت ساكنة فاس تعيشها كل يوم، و يتعرضون لحوادث تسبب خلاله سائق دراجة نارية في خدش عنيف لسيارتات قبل أن يلوذوا بالفرار، في واقعة تطرح مجدداً سؤال المسؤولية، وفعالية المراقبة، وقدرة الضحايا على الوصول إلى المتسببين في مثل هذه الأفعال.

شوارع تتحول إلى فضاءات للخوف

وتشير شكايات متداولة وتقارير محلية إلى انتشار السياقة الاستعراضية في عدد من محاور فاس، حيث يعمد بعض السائقين إلى السرعة، ورفع العجلة الأمامية، والمناورة بين السيارات، وقطع الإشارات الضوئية، وعدم احترام ممرات الراجلين، فضلاً عن القيادة دون خوذة أو باستعمال دراجات معدلة تقنياً لإصدار ضجيج مرتفع. وقد سبق أن وصل هذا الوضع إلى البرلمان، من خلال سؤال كتابي حول انتشار السياقة الاستعراضية للدراجات النارية بشوارع المدينة، وما تسببه من حوادث خطيرة وفوضى وهلع بين السائقين والمارة.

وتكمن خطورة هذه السلوكيات في أن الدراجة النارية، بحكم طبيعتها، تترك هامشاً ضيقاً للخطأ، فيما قد يؤدي اصطدام بسيط إلى إصابات خطيرة أو أضرار جسيمة. وعندما يفر السائق بعد الحادث، يجد المتضرر نفسه أمام صعوبة تحديد هويته، خصوصاً إذا كانت الدراجة لا تحمل لوحة واضحة، أو كان السائق يخفي ملامحه، أو لم تتوفر تسجيلات صالحة للاستعمال.

ولا يمكن الجزم بأن جميع الدراجات النارية بفاس غير قانونية أو لا تتوفر على وثائق، غير أن شكايات المواطنين بشأن دراجات تفتقر إلى الوثائق أو تحمل لوحات غير واضحة أو تستعمل في ظروف مخالفة للقانون تستدعي مراقبة دقيقة. فالمطلوب ليس التضييق على مستعملي الدراجات الملتزمين، بل وضع حد للسلوكيات التي تجعل الطريق مجالاً للفوضى، وتحوّل حق التنقل إلى مصدر تهديد للآخرين.

الدراجات النارية والسرقة.. وسيلة يستغلها بعض المشتبه فيهم

وتزداد المخاوف عندما تُستعمل بعض الدراجات النارية في تنفيذ جرائم السرقة، سواء عبر خطف الهواتف والحقائب، أو استهداف الأشخاص في الشوارع والأزقة، أو الفرار بسرعة بعد ارتكاب أفعال إجرامية. وقد شهدت فاس، خلال سنة 2026 عدة قضايا تتعلق بالسرقة أو حوادث سير وصلت حد الوفاة.

وتطرح هذه الظاهرة أيضاً سؤال احترام السدود الأمنية والقضائية، بعدما أصبح المواطنون يتداولون شكايات عن سائقين لا يمتثلون لإشارات التوقف، أو يحاولون تجاوز الحواجز، أو يفرون من المراقبة . وإذا ثبتت هذه الأفعال، فإنها لا تمثل مجرد مخالفة مرورية، بل سلوكاً يهدد سلامة عناصر الأمن ومستعملي الطريق على حد سواء.

كاميرات المراقبة.. عين غائبة عن لحظة يحتاجها المواطن

ومن بين الإشكالات التي تزيد من تعقيد حوادث الفرار، وضعية كاميرات المراقبة المثبتة في عدد من شوارع المدينة. فقد سبق أن أثيرت، في تقارير صحفية، إشكالية تعطل عدد من الكاميرات التي كان يفترض أن تساهم في محاصرة الجريمة وتوثيق المخالفات. وإذا كانت هذه المعطيات تعود إلى سنوات سابقة، فإنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى جاهزية منظومة المراقبة اليوم، وحول ضرورة التأكد من اشتغال الكاميرات وصيانتها وربطها بالجهات المختصة، حتى لا تتحول إلى تجهيزات موجودة في الشوارع دون قدرة فعلية على تقديم الدليل عند الحاجة.

وأمام هذا الوضع، بات من الضروري أن تتدخل ولاية أمن فاس بشكل أكثر حزماً واستمرارية، عبر تكثيف مراقبة الدراجات النارية في المحاور التي تعرف شكايات متكررة، وتشديد المراقبة على الوثائق واللوحات والتعديلات التقنية غير القانونية، والتصدي للسياقة الاستعراضية، مع التعامل الجدي والسريع مع شكايات حوادث الفرار والسرقة.

كما أن حماية الأرواح والممتلكات لا تتحقق بالحملات الظرفية وحدها، بل تحتاج إلى تنسيق دائم بين شرطة المرور والمصالح الأمنية المختصة والسلطات المحلية، وإلى استثمار فعلي في كاميرات المراقبة وصيانتها، بما يسمح بتحديد هوية المتسببين في الحوادث والجرائم. وفي هذا السياق، تظل المطالبة الأساسية هي أن يشعر المواطن بأن القانون حاضر في الشارع، وأن من يتسبب في حادث أو يهدد سلامة الآخرين لن يجد في الفرار وسيلة للإفلات من المسؤولية.

فاس ليست في حاجة إلى مزيد من التسيب و الخوف في شوارعها، بل إلى استعادة الانضباط المروري، وحماية مستعملي الطريق، ووضع حد لكل سلوك يحوّل الدراجة النارية من وسيلة للتنقل إلى مصدر للرعب والفوضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى