أزمة الكتب المدرسية تربك الدخول الدراسي.. عناوين مفقودة وآباء في رحلة بحث بين المكتبات

مع انطلاق الموسم الدراسي الجديد، لم تنته معاناة عدد من الأسر المغربية عند حدود تكاليف الدخول المدرسي، بل امتدت إلى رحلة البحث عن الكتب والمقررات المطلوبة، بعدما سجلت مكتبات ونقط بيع للكتب خصاصاً واضحاً في مجموعة من العناوين، ما جعل آباء وأولياء التلاميذ يتنقلون بين أكثر من مكتبة بحثاً عن مقررات لم تصل إلى السوق بالكميات الكافية.
وتبرز المعطيات المتداولة في أوساط المهنيين أن الاضطراب لا يطال جميع المقررات بالدرجة نفسها، لكنه يتركز بشكل خاص في عدد من الكتب المعتمدة ضمن التعليم العمومي، إلى جانب بعض المطبوعات والكتب المدرسية باللغة العربية، فيما بدأت عناوين أخرى تصل إلى المكتبات بشكل متأخر وعلى دفعات محدودة، وهو ما جعل عملية استكمال اللوائح المدرسية أكثر صعوبة بالنسبة للأسر مع بداية الدراسة.
وتتحدث شهادات مهنيين في قطاع بيع الكتب عن غياب مجموعة من العناوين التي يكثر عليها الطلب، من بينها سلسلة «الرائد»، إلى جانب مقررات أخرى مثل «الممتاز» و«مرشدي» و«في رحاب»، فيما سجلت مكتبات أخرى نقصاً في كتب ومطبوعات مرتبطة بمستويات دراسية مختلفة، بما في ذلك بعض المقررات الموجهة لتلاميذ الأقسام النهائية.
ولا يقتصر المشكل على غياب بعض الكتب من الرفوف، بل يتعلق أيضاً بعدم انتظام وصول الكميات، إذ تؤكد مصادر مهنية أن بعض العناوين تصل إلى المكتبات بعد انطلاق الموسم الدراسي، وبأعداد محدودة لا تكفي لتلبية الطلب المتراكم، بينما تظل عناوين أخرى غير متوفرة في عدد من نقط البيع.
ويضع هذا الوضع الأسر أمام ضغط إضافي، خصوصاً أن اللوائح المدرسية تكون محددة سلفاً من طرف المؤسسات التعليمية، ما يجعل الآباء مضطرين للبحث عن كل عنوان على حدة، والتنقل بين المكتبات والأسواق المتخصصة، في وقت يكون فيه التلاميذ قد شرعوا فعلياً في متابعة الدروس.
ويشير مهنيون إلى أن المشكلة تبدو أكثر وضوحاً في بعض المقررات التابعة للمنهاج العمومي، بينما تبدو وضعية الكتب الخاصة بالمؤسسات التعليمية الخصوصية أفضل نسبياً، مع تسجيل توفر يتراوح، بحسب تقديرات مهنية، بين 80 و90 في المائة بالنسبة لعدد من هذه العناوين.
ويرتبط جانب من الخصاص، وفق إفادات المهنيين، بعملية الطباعة نفسها، سواء بسبب عدم طرح كميات تتناسب مع حجم الطلب أو بسبب تأخر وصول بعض الإصدارات الجديدة إلى السوق المغربية. كما يظل من الصعب، بالنسبة للمهنيين، تحديد سبب موحد لجميع حالات النقص، إذ تختلف الوضعية من ناشر إلى آخر ومن مقرر إلى آخر.
ويرى العاملون في القطاع أن جزءاً من المشكلة كان يمكن تفاديه من خلال التحضير المبكر لموسم الدخول المدرسي، خصوصاً بالنسبة إلى الكتب والمقررات التي تكون معتمدة ومعروفة قبل أشهر من بداية الدراسة. ويعتبرون أن ضمان توفر الكميات المطلوبة منذ يونيو أو قبل ذلك من شأنه تفادي الضغط الذي يظهر خلال الأسابيع الأولى من الموسم.
وفي مقابل هذه الإشكالات، يطرح المهنيون أيضاً مسألة قنوات التوزيع، حيث يشير بعضهم إلى لجوء مؤسسات تعليمية خصوصية إلى بيع حزم كاملة من الكتب مباشرة للأسر، وهو ما يعتبرونه منافسة تضغط على المكتبات المستقلة وتؤثر على توزيع الكتب عبر قنوات البيع التقليدية.
كما يواجه الكتبيون بدورهم صعوبات اقتصادية مرتبطة بهوامش الربح في بعض المقررات، إذ يؤكد مهنيون أن الهامش المحدود لا يغطي دائماً تكاليف النقل والتخزين والتسيير، الأمر الذي يجعل توفير بعض الكتب بكميات كبيرة عملية ذات مردودية ضعيفة بالنسبة إلى المكتبات.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر برز خلال الفترة الحالية، يتعلق بالضغط الذي تعرفه المطابع الوطنية بسبب تزامن عدد من الطلبات والإصدارات في الفترة نفسها، بما في ذلك طباعة الوثائق المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية، وهو ما ساهم، وفق مهنيين، في الضغط على الطاقة الإنتاجية لبعض المطابع خلال مرحلة كان يفترض أن تكون مخصصة بشكل مكثف للتحضير للدخول المدرسي.
ويحذر المهنيون من أن استمرار هذا الوضع خلال الأسابيع المقبلة قد يبقي الأسر في حالة بحث متواصل عن الكتب الناقصة، خصوصاً إذا لم تتم معالجة الاختلالات المرتبطة بالكميات والتوزيع في أسرع وقت، مؤكدين أن الأزمة لا ينبغي أن تتحول إلى ظاهرة موسمية تتكرر مع بداية كل موسم دراسي.
وتطرح هذه الوضعية، في المقابل، مسؤولية مشتركة بين الناشرين والمطابع وشبكات التوزيع والمؤسسات التعليمية والجهات الوصية، من أجل ضمان وصول المقررات إلى السوق قبل بداية الدراسة وبكميات تتناسب مع الحاجيات الفعلية، مع اعتماد آليات أكثر دقة لتوقع الطلب وتتبع المخزون ورصد العناوين التي تعرف ضغطاً استثنائياً.
وبينما تستمر الدراسة داخل المؤسسات التعليمية بشكل عادي، يجد عدد من الآباء أنفسهم أمام معركة موازية لا علاقة لها بالمقررات نفسها، وإنما بتوفيرها والعثور عليها. فبدل أن ينصرف اهتمام الأسر إلى متابعة انطلاقة الموسم الدراسي، أصبح استكمال لائحة الكتب بالنسبة إلى بعضهم رحلة بين المكتبات، وانتظاراً لوصول عناوين مفقودة، وترقباً لدفعات جديدة قد تصل في أي وقت، وهو ما يجعل أزمة توفر الكتب واحدة من أبرز الاختلالات التي طبعت الأسابيع الأولى من الدخول المدرسي الجديد.






