سياسة

جبل طارق يشعل سؤال السيادة في إسبانيا.. صخرة بريطانية تتحدى مدريد وصمت سياسي يثير المقارنة مع سبتة

عاد ملف جبل طارق إلى الواجهة السياسية والإعلامية في إسبانيا، بعدما جدد رئيس حكومة الإقليم فابيان بيكاردو تمسكه بالسيادة البريطانية ورفضه أي تنازل عنها، في خطاب حمل رسائل سياسية قوية إلى مدريد، بالتزامن مع دخول الاتفاق الجديد بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن جبل طارق مرحلة التطبيق المؤقت، في وقت بدا فيه التفاعل السياسي الإسباني مع هذه التصريحات أقل حدة بكثير من ذلك الذي رافق، خلال الأسابيع الماضية، التطورات المرتبطة بمدينة سبتة.

بيكاردو، الذي يستعد لمغادرة رئاسة حكومة جبل طارق بعد سنوات طويلة في المنصب، اختار مناسبة وطنية بارزة لتوجيه رسالة واضحة مفادها أن الاتفاق الجديد مع الاتحاد الأوروبي لا يتضمن أي تنازل عن السيادة البريطانية، مؤكداً أن الترتيبات الجديدة تتعلق بتنظيم العلاقة مع الجوار وضمان انسيابية الحدود والاستقرار الاقتصادي، وليس بإعادة النظر في الوضع السياسي لجبل طارق.

وتكتسب تصريحات بيكاردو أهمية خاصة لأنها جاءت في أول احتفال وطني بعد دخول الاتفاق البريطاني الأوروبي بشأن جبل طارق مرحلة التطبيق المؤقت في يوليوز الماضي. الاتفاق، الذي وقعته بريطانيا والاتحاد الأوروبي، يرمي إلى تنظيم حركة الأشخاص والبضائع والعمل عبر الحدود، وتوفير قدر أكبر من اليقين الاقتصادي، بعدما كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد جعل وضع الحدود بين جبل طارق وإسبانيا أكثر تعقيداً.

غير أن بيكاردو شدد على أن تحسين العلاقات مع الجوار الإسباني لا يعني بأي شكل من الأشكال التخلي عن السيادة البريطانية، مؤكداً أن مستقبل جبل طارق يجب أن يقرره سكانه، ومذكراً بالاستفتاء الذي أجري سنة 1967 واختار فيه سكان الصخرة بأغلبية ساحقة استمرار الارتباط ببريطانيا.

ولم يأت هذا الموقف منفرداً، إذ حملت رسائل صادرة عن أعلى المستويات البريطانية إشارات واضحة إلى استمرار الدعم لجبل طارق. فقد أكد الملك تشارلز الثالث ارتباط الإقليم بالعائلة البريطانية، فيما شدد رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام على التزام حكومته بالسيادة البريطانية على جبل طارق وبحق سكانه في تقرير مستقبلهم، مجدداً المبدأ البريطاني القائل إنه لا ينبغي اتخاذ أي قرار بشأن جبل طارق من دون مشاركة سكانه.

كما شارك مسؤولون بريطانيون في الاحتفالات، مؤكدين أن الاتفاق الجديد مع الاتحاد الأوروبي لا يمس السيادة البريطانية، بل يفتح مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي وحركة الأشخاص عبر الحدود.

وتضع هذه التطورات إسبانيا أمام ملف سيادي قديم لم يغلق رغم عقود من المفاوضات. فمدريد لا تزال تصف جبل طارق بأنه إقليم مستعمر مدرج لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتؤكد أن إنهاء هذا الوضع يجب أن يتم من خلال استعادة وحدة الأراضي الإسبانية.

وتستند إسبانيا في موقفها إلى معاهدة أوترخت الموقعة سنة 1713، والتي تنازلت بموجبها عن مدينة جبل طارق وقلعتها ومينائها وتحصيناتها للتاج البريطاني. غير أن مدريد تؤكد أن التنازل لم يشمل البرزخ والمياه الإقليمية والمجال الجوي، ولذلك تعتبر أن استمرار السيطرة البريطانية على هذه المناطق لا يستند إلى أساس قانوني إسباني مقبول.

وفي المقابل، تتمسك بريطانيا وجبل طارق بقراءة مختلفة تقوم على السيادة البريطانية وحق سكان الإقليم في تقرير مستقبلهم، وهو ما يجعل النزاع قائماً بين مقاربتين: إسبانية تضع الملف في إطار تصفية وضع استعماري واستعادة وحدة الأراضي، وبريطانية ـ جبل طارقية تعطي الأولوية لإرادة السكان وعدم فرض أي تغيير في وضع الإقليم من دون موافقتهم.

لكن اللافت سياسياً هو أن الخطاب الصادر من جبل طارق لم يتحول إلى أزمة سياسية واسعة داخل إسبانيا، على الرغم من أنه يتضمن رفضاً صريحاً لأي سيادة إسبانية على الصخرة.

وهنا تبرز المقارنة مع سبتة ومليلية المحتلتين، حيث تتحول أي إشارة إلى وضع المدينتين أو مستقبلهما السياسي إلى قضية شديدة الحساسية داخل إسبانيا، وتدخل بسرعة في الخطاب الحزبي والإعلامي والشعبي، وتستدعي ردود فعل سياسية قوية.

فالخطاب الإسباني بشأن سبتة ومليلية المحتلتين يقوم بصورة ثابتة على اعتبار المدينتين جزءاً لا يتجزأ من التراب الإسباني، بينما لا تظهر الحدة نفسها عندما يتعلق الأمر بجبل طارق، رغم أن مدريد تعتبره رسمياً ملفاً استعمارياً وقضية مرتبطة بوحدة أراضيها.

ولا يمكن فصل هذا التباين عن طبيعة العلاقات الإسبانية مع كل من المغرب وبريطانيا، ولا عن الحسابات الجيوسياسية التي تحكم الملفين.

فجبل طارق يوجد على حدود مباشرة مع إسبانيا، لكن أي مواجهة سياسية مفتوحة بشأن السيادة عليه تعني عملياً الدخول في نزاع مع المملكة المتحدة، الدولة النووية والعضو الدائم في مجلس الأمن، إضافة إلى تشابك القضية مع الاتحاد الأوروبي والمصالح الاقتصادية والاجتماعية لسكان المنطقة الحدودية في إقليم الأندلس.

أما العلاقة مع المغرب، فتظل أكثر ارتباطاً بقضايا الهجرة والأمن والحدود والتجارة ومكافحة الجريمة والتعاون الاقتصادي، وهو ما يجعل قضايا سبتة ومليلية المحتلتين شديدة الحساسية في الخطاب السياسي الإسباني، خصوصاً خلال الأزمات المرتبطة بالهجرة أو الحدود.

ويكشف الاتفاق الجديد بشأن جبل طارق مفارقة أخرى، إذ نجحت مدريد ولندن وبروكسيل في بناء ترتيبات عملية تسمح بتفادي تحويل الحدود إلى مصدر دائم للتوتر، مع إبقاء ملف السيادة منفصلاً عن التعاون اليومي.

وهذه النقطة بالذات قد تكون الأكثر أهمية في التطورات الأخيرة؛ فالطرفان تمكنا من الفصل، ولو مؤقتاً، بين النزاع التاريخي حول السيادة وبين المصالح الاقتصادية والاجتماعية لسكان المنطقة.

وبذلك، أصبح من الممكن أن تستمر حركة العمال والتجارة والعلاقات اليومية بين جبل طارق ومحيطه الإسباني، من دون أن يعني ذلك أن إسبانيا تخلت عن مطالبتها بالسيادة أو أن جبل طارق قبل بالتنازل عنها.

وتؤكد المعطيات الرسمية الإسبانية أن مدريد لم تغير موقفها الأساسي، إذ لا تزال تعتبر جبل طارق قضية تصفية استعمار واستعادة لوحدة الأراضي الإسبانية، بينما تؤكد الوثائق البريطانية والأوروبية أن الاتفاق الجديد لا يحسم مسألة السيادة.

وبالتالي، فإن الهدوء السياسي الحالي لا يعني نهاية النزاع، وإنما يعكس انتقاله إلى مستوى أكثر براغماتية، يتم فيه التعامل مع الحدود والاقتصاد والتنقل بشكل عملي، بينما تظل قضية السيادة مؤجلة إلى مسار سياسي وقانوني أكثر تعقيداً.

واللافت أن فابيان بيكاردو، في آخر خطاب وطني له كرئيس لحكومة جبل طارق، اختار أن يترك وراءه رسالة سياسية واضحة: الاتفاق مع أوروبا يمكن أن يغير طريقة العيش والعمل والتواصل مع إسبانيا، لكنه، من وجهة نظره، لا يغير هوية جبل طارق ولا انتماءه البريطاني.

وفي المقابل، تبدو مدريد أمام معادلة دقيقة: فهي لا تستطيع التخلي عن مطلبها التاريخي بشأن جبل طارق، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن تحويل الملف إلى مواجهة مفتوحة لن يخدم مصالح سكان المنطقة ولا المصالح الاقتصادية المشتركة.

وهكذا يستمر جبل طارق كواحد من أقدم النزاعات الإقليمية في أوروبا، لكن المفارقة التي تعيد التطورات الحالية طرحها تتجاوز الصخرة نفسها: لماذا تتحول قضايا السيادة المرتبطة بسبتة إلى عناوين للتعبئة السياسية والشعبية داخل إسبانيا، بينما تمر التصريحات الصريحة الرافضة لأي سيادة إسبانية على جبل طارق بقدر أكبر من الهدوء؟

إن الإجابة لا تبدو قانونية فقط، بل ترتبط أيضاً بموازين القوى والتحالفات والمصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية. وبينما تتمسك مدريد بموقفها التاريخي من جبل طارق، يواصل سكان الصخرة التمسك بهويتهم البريطانية، وتواصل لندن الدفاع عنهم، في حين يفتح الاتفاق الجديد باباً للتعاون مع إسبانيا من دون أن يغلق، بأي شكل، ملف السيادة.

ويبقى المؤكد أن «الصخرة» لم تصبح إسبانية، كما أن مدريد لم تتخل عن مطالبتها بها، لكن الطرفين اختارا، في المرحلة الحالية، أن يعيشا مع النزاع بدلاً من تحويله إلى مواجهة مفتوحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى