قضايا

مكناس تحت الدخان.. حرق النفايات يعيد ملف المطرح إلى الواجهة ويهدد البيئة والصحة

عاد ملف مطرح النفايات بمدينة مكناس إلى واجهة النقاش البيئي، بعدما عبر عدد من السكان والفاعلين المدنيين عن استيائهم من تصاعد الدخان المنبعث من عمليات حرق النفايات، وسط مطالب بتدخل عاجل لوقف ما يعتبرونه مصدراً متواصلاً للإزعاج والتلوث، وفتح تحقيق ميداني حول ظروف تدبير المطرح ومدى احترام المعايير البيئية والصحية المعمول بها.

وتقول شهادات من داخل المدينة إن سحباً من الدخان أصبحت تظهر في محيط المطرح وتمتد، بحسب اتجاه الرياح، إلى مناطق أخرى، وهو ما يثير مخاوف لدى السكان، خصوصاً في المناطق القريبة من المطرح والمجالات الطبيعية والفلاحية المحيطة به. ويطالب السكان بتوضيح طبيعة هذه الانبعاثات ومصدرها، وما إذا كانت ناتجة عن عمليات حرق متعمدة للنفايات أو عن حرائق عرضية، مع ضرورة تحديد المسؤوليات بدقة.

ولا تتوقف المخاوف عند حدود جودة الهواء، إذ يعيد الوضع الحالي إلى الواجهة إشكالية بيئية أقدم مرتبطة بمطرح نفايات مكناس وتأثيراته المحتملة على الموارد المائية والمجالات الفلاحية المجاورة.

فدراسات علمية أنجزها باحثون من جامعة مولاي إسماعيل ومؤسسات علمية مغربية سبق أن تناولت تأثير عصارة النفايات المتسربة من المطرح على مياه وادي بوفكران، وخلصت إلى وجود مؤشرات قوية على تلوث مائي مرتبط بهذه العصارة، مع تسجيل أحمال مرتفعة من الملوثات العضوية والمعدنية في العينات التي تمت دراستها. كما أشارت دراسة منشورة سنة 2018 إلى أن عصارة المطرح شكلت مصدراً مهماً لتلوث مياه وادي بوفكران والأراضي الفلاحية المحاذية للمطرح.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة البيئية التي كان يحتلها وادي بوفكران والمجالات الخضراء المحيطة به، إضافة إلى ارتباط أجزاء من المنطقة بالبساتين والمجالات الفلاحية التي تشكل امتداداً طبيعياً للمدينة ومتنفساً لسكانها.

وفي هذا السياق، يرى فاعلون مدنيون بمكناس أن استمرار الدخان والروائح ومظاهر التلوث يفرض الانتقال من المعالجة الظرفية إلى وضع تصور شامل لتدبير النفايات، يقوم على المراقبة المستمرة للمطرح، ومنع أي حرق عشوائي، والتأكد من سلامة عمليات طمر النفايات ومعالجة العصارة، إلى جانب إخضاع الانبعاثات والآثار البيئية للمراقبة والقياس بشكل منتظم.

وتأتي هذه المطالب في وقت سبق أن عرفت فيه مدينة مكناس مشاريع بيئية مهمة، من بينها محطة معالجة المياه العادمة، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بمركز طمر وتثمين النفايات، وهو ما ساهم، وفق دراسة علمية حول الوضع البيئي لحوض وادي الرْدوم، في الحد من بعض أشكال التصريف المباشر لعصارة النفايات والمياه العادمة في المجاري المائية. غير أن الدراسة نفسها أكدت استمرار وجود مؤشرات تلوث في عدد من النقاط، ما يؤكد أن حماية الموارد المائية تحتاج إلى مراقبة دائمة وليست مجرد تدخلات ظرفية.

كما أن مشكل النفايات بمكناس لا يقتصر على المطرح وحده، إذ شهدت المدينة خلال الأسابيع الماضية شكايات أخرى بشأن تراكم النفايات في عدد من النقاط، من بينها محيط قنطرة برج مولاي عمر وعين شبيك، وسط مطالب بتحسين المراقبة وتتبع أداء الجهات المكلفة بالنظافة والتدبير اليومي للنفايات.

ويطرح هذا الوضع سؤالاً أوسع حول حكامة تدبير النفايات داخل العاصمة الإسماعيلية، ومدى قدرة آليات التدبير المفوض على ضمان خدمات لا تقتصر على جمع النفايات ونقلها، وإنما تشمل أيضاً المعالجة السليمة، ومراقبة الآثار البيئية، وحماية السكان والمجالات الطبيعية من الانبعاثات والتسربات.

وفي هذا الإطار، سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن سجل، في إطار تقييمه لعقود التدبير المفوض للنفايات بعدد من جماعات جهة فاس مكناس، أهمية تحسين صياغة العقود وتوضيح الالتزامات التعاقدية، وهو ما أسهم في عدد من الجماعات المعنية في تخفيض التكاليف التعاقدية واسترجاع مبالغ مالية مرتبطة بعدم احترام بعض الالتزامات. وتبرز هذه الملاحظات أهمية وجود عقود دقيقة وآليات صارمة لتتبع تنفيذها وربط الأداء الفعلي بالالتزامات البيئية والخدماتية.

وبالنسبة إلى مكناس، فإن عودة شكايات السكان بشأن الدخان تفرض، وفق مطالب مدنية متزايدة، تحركاً مؤسساتياً واضحاً لا يقتصر على معاينة الوضع، وإنما يشمل تحديد مصدر الانبعاثات، وإجراء قياسات ميدانية لجودة الهواء، وفحص وضعية المطرح، والتأكد من شروط معالجة عصارة النفايات، ومراقبة تأثيراته على وادي بوفكران والمجالات الفلاحية المجاورة.

فالمدينة التي تراهن على تعزيز جاذبيتها السياحية والاقتصادية وتحسين جودة فضائها الحضري، لا يمكن أن تستمر في مواجهة شكايات مرتبطة بالدخان والروائح وتراكم النفايات من دون معالجة جذرية للمنظومة التي تنتج هذه المشاكل.

وتبقى المسؤولية، في نهاية المطاف، مرتبطة بضرورة توضيح أدوار كل المتدخلين، من الجماعة والجهات المكلفة بالتدبير إلى المصالح البيئية والصحية والسلطات المختصة، مع ضمان المراقبة والشفافية وإخبار السكان بنتائج المعاينات والقياسات.

ومع تصاعد شكايات السكان، يبدو أن ملف مطرح النفايات بمكناس يحتاج اليوم إلى إعادة فتح شاملة، ليس فقط باعتباره قضية نظافة، وإنما باعتباره ملفاً بيئياً وصحياً ومائياً يمس جودة الحياة داخل المدينة ومستقبل المجالات الطبيعية المحيطة بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى