زيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا تتجه إلى 2027.. الرباط وباريس تواصلان بلورة مرحلة استراتيجية جديدة

تتجه الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا نحو التأجيل إلى بداية سنة 2027، بعدما كانت التحضيرات تسير باتجاه تنظيمها خلال خريف السنة الجارية، في وقت تواصل فيه الرباط وباريس العمل على بلورة إطار جديد للعلاقات الثنائية، يفترض أن يؤسس لمرحلة أكثر عمقاً واتساعاً في الشراكة المغربية الفرنسية.
وأفادت تقارير إعلامية فرنسية بأن موعد الزيارة الملكية، التي كانت منتظرة خلال الأشهر المقبلة، قد يتأخر إلى مطلع سنة 2027، دون أن يكون هذا الموعد الجديد قد حُسم بشكل نهائي، خاصة في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة خلال ربيع السنة نفسها، وهو ما يجعل أجندة العلاقات الفرنسية مع شركائها الدوليين خاضعة أيضاً لحسابات المرحلة السياسية المقبلة في باريس.
وتحظى الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس بأهمية سياسية ودبلوماسية بالغة، بالنظر إلى أنها تأتي في سياق إعادة ترتيب عميقة للعلاقات بين المغرب وفرنسا، بعد سنوات من الفتور والتوتر، وانتقال البلدين خلال الفترة الأخيرة إلى مسار جديد يقوم على إعادة بناء الثقة وتعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني والاستراتيجي.
ولا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المتداولة، بمجرد زيارة دولة ذات طابع بروتوكولي، وإنما بمحطة يفترض أن تعكس طبيعة التحول الذي عرفته العلاقات المغربية الفرنسية، وأن تمنح دفعة جديدة للشراكة بين الرباط وباريس، في ظل التحضير لإطار تعاهدي جديد يراد له أن يؤطر العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة ويحدد مجالات التعاون ذات الأولوية بين البلدين.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المفاوضات والتحضيرات المرتبطة بالمعاهدة الجديدة تحتاج إلى مزيد من الوقت، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي يفترض أن يشملها الإطار الجديد، وهو ما جعل استكمال التحضيرات أحد العوامل التي قد تكون وراء تغيير موعد الزيارة الملكية، خصوصاً أن الرباط تتعامل مع علاقاتها الدولية بمنطق يقوم على وضوح الرؤية وتثبيت الأسس السياسية والاستراتيجية قبل الانتقال إلى الإعلان عن المحطات الكبرى.
وكانت الدعوة الرسمية إلى زيارة الدولة قد وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس في أكتوبر 2024، خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المغرب، والتي شكلت محطة بارزة في مسار إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومنذ ذلك الحين، دخلت الرباط وباريس مرحلة جديدة اتسمت بتكثيف الاتصالات والزيارات والتنسيق على عدد من المستويات.
ويأتي هذا التحول بعد الموقف الفرنسي التاريخي الذي أعلنته باريس في صيف 2024 بشأن قضية الصحراء المغربية، عندما أكدت دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب باعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى تسوية سياسية لهذا النزاع. وقد شكل هذا الموقف نقطة تحول مفصلية في العلاقات المغربية الفرنسية، بعدما انتقلت باريس بذلك إلى موقف أكثر انسجاماً مع الرؤية المغربية بشأن قضية الصحراء.
ومن المنظور المغربي، لم يعد ملف العلاقات مع فرنسا محصوراً في الجانب الثنائي التقليدي، بل أصبح جزءاً من دينامية أوسع يقودها الملك محمد السادس لإعادة تموقع المغرب على الساحة الدولية، وتعزيز الشراكات القائمة على المصالح المتبادلة والوضوح السياسي والاحترام المتبادل للثوابت الوطنية.
وتبرز قضية الصحراء المغربية بشكل خاص باعتبارها أحد المحددات الأساسية للسياسة الخارجية للمملكة، وهو ما جعل الموقف الفرنسي الجديد عاملاً حاسماً في إعادة بناء العلاقات بين الرباط وباريس. وقد انعكس ذلك على مختلف مستويات التعاون، من خلال عودة الاتصالات السياسية المكثفة، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، واستئناف التنسيق في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.
وفي هذا السياق، سبق لوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن أكد استمرار الاتصالات بين الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون، مشيراً إلى عقد أكثر من 40 اجتماعاً وزارياً بين البلدين منذ انطلاق الدينامية الجديدة للعلاقات الثنائية، وهو ما يعكس حجم الحراك الذي عرفته الشراكة المغربية الفرنسية خلال الفترة الأخيرة.
وتكتسب الشراكة الاقتصادية بدورها أهمية متزايدة، بالنظر إلى موقع فرنسا كشريك تاريخي للمغرب، وحضور الشركات والاستثمارات الفرنسية في المملكة، مقابل تنامي الحضور الاقتصادي المغربي في فرنسا وإفريقيا وأوروبا، فضلاً عن الملفات الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية والطاقة والصناعة والنقل والتكنولوجيا والاستثمار.
وبذلك، فإن تأجيل الزيارة الملكية، في حال تأكد الموعد الجديد، لا يعني بالضرورة تراجعاً في مسار التقارب بين الرباط وباريس، بقدر ما يعكس، وفق المعطيات المتداولة، استمرار التحضير لمرحلة جديدة يراد لها أن تكون أكثر وضوحاً من الناحية السياسية والاستراتيجية، وأن تستند إلى اتفاقات وأطر تعاون قادرة على ترجمة التحول الذي عرفته العلاقات خلال السنوات الأخيرة.
وتبقى زيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا، متى تم تحديد موعدها النهائي، محطة مرتقبة بقوة في العاصمتين، باعتبارها يمكن أن تشكل لحظة سياسية بارزة لتدشين مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الفرنسية، عنوانها شراكة أكثر توازناً، وتعاون أوسع، واعتراف متزايد بالمصالح الاستراتيجية للمملكة المغربية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية ووحدة التراب الوطني.






