سياسة

فاس-مكناس تدخل الانتخابات بسؤال كبير: أين الشغل؟ ومتى تتحسن الصحة والتعليم؟

مع انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية للاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر الجاري، تدخل جهة فاس-مكناس هذه المحطة السياسية وهي تحمل إلى الأحزاب والمرشحين لائحة طويلة من الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، لكن ثلاثة ملفات تبدو اليوم أكثر إلحاحاً في النقاش العمومي الجهوي: التشغيل، والصحة، والتعليم، باعتبارها قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين، وتشكل في الوقت نفسه اختباراً حقيقياً لقدرة البرامج الانتخابية على تقديم حلول قابلة للتنفيذ بدل الاكتفاء بالشعارات.

فجهة فاس-مكناس ليست مجرد مجال ترابي يضم تسعة أقاليم وعمالات، وإنما منطقة تضم قاعدة سكانية واقتصادية وتعليمية واسعة، وتحتضن قطباً جامعياً وعلمياً مهماً، وتتوفر على مؤهلات سياحية وفلاحية وصناعية ومجالات واسعة للاستثمار، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة مع بداية السباق الانتخابي هو: كيف يمكن تحويل هذه المؤهلات إلى فرص شغل حقيقية ومستدامة، خصوصاً لفائدة الشباب وحاملي الشهادات؟

وتزداد حدة هذا السؤال عندما توضع أمام المرشحين أحدث المؤشرات الرسمية حول سوق الشغل. فقد سجلت جهة فاس-مكناس خلال الفصل الثاني من سنة 2026 معدلًا مركبًا للبطالة، يجمع البطالة بالمفهوم الضيق والقوة العاملة المحتملة، بلغ 18.8 في المائة، مقابل معدل وطني قدره 14.7 في المائة، لتكون الجهة ضمن الجهات التي تسجل مستويات مرتفعة في هذا المؤشر.

هذه الأرقام تجعل ملف التشغيل أكثر من مجرد عنوان انتخابي جذاب؛ إنها قضية اجتماعية واقتصادية حقيقية تنتظر جواباً سياسياً واضحاً. فالشاب في فاس ومكناس وتازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب لا يبحث فقط عن برنامج انتخابي مكتوب، وإنما يريد أن يعرف أين ستأتي فرص العمل، وما القطاعات التي ستخلقها، وكيف سيتم ربط التكوين الجامعي والمهني بحاجيات المقاولات، وكيف يمكن تحويل الاستثمارات والمشاريع الكبرى إلى وظائف مستقرة بدل أن تبقى آثارها محصورة في مرحلة البناء أو في مناصب محدودة.

وتفرض هذه المعادلة على الأحزاب السياسية المتنافسة في الجهة تقديم أجوبة دقيقة حول الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع التشغيل الذاتي، وتطوير الاقتصاد الرقمي، والصناعات الغذائية، والسياحة، والصناعة، والفلاحة، والاقتصاد الأخضر، بدل تقديم وعود عامة بإحداث مناصب شغل دون تحديد مصادرها وآليات تنفيذها وآجالها.

لكن التشغيل ليس وحده في صدارة الانتظارات. قطاع الصحة بدوره يدخل هذه الانتخابات تحت ضغط أسئلة المواطنين، رغم التحولات التي يشهدها القطاع على المستوى المؤسساتي. فقد دخلت المجموعة الصحية الترابية بجهة فاس-مكناس مرحلة جديدة، بعدما انعقد أول مجلس إدارتها في يونيو 2026، في إطار ورش إصلاح المنظومة الصحية وتنزيل الحكامة الصحية الجهوية. وتتوفر الجهة، وفق المعطيات الرسمية، على 427 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وخدمات القرب، إضافة إلى شبكة استشفائية تضم خمس مؤسسات استشفائية جامعية و14 مؤسسة استشفائية جهوية وإقليمية ومؤسسات للقرب، وفي مقدمتها المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس.

غير أن المواطن لا يقيس نجاح الإصلاح بعدد المؤسسات والمنشآت فقط، وإنما بما يجده عندما يدخل المركز الصحي أو المستشفى: هل يوجد الطبيب؟ هل تتوفر المواعيد؟ هل يتم تقليص آجال الانتظار؟ هل توجد الأدوية والتجهيزات؟ هل يحصل المريض في العالم القروي على الخدمة نفسها المتاحة في المدن؟ وهل أصبح المسار العلاجي أكثر سرعة وفعالية؟

وهنا تحديداً سيكون قطاع الصحة واحداً من الاختبارات الحقيقية للمنتخبين المقبلين، لأن المواطن في الأقاليم التسعة لا يريد فقط الحديث عن إصلاح هيكلي للمنظومة الصحية، وإنما يريد أن يرى أثر هذا الإصلاح في حياته اليومية، من خلال خدمات صحية أقرب وأسرع وأفضل جودة.

والأرقام المتعلقة بالموارد البشرية تعكس بدورها حجم الحاجة إلى الاستثمار في العنصر البشري. فقد أعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال 2026 عن مباراة لتوظيف 390 ممرضاً من الدرجة الأولى بجهة فاس-مكناس، كما أعلنت جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس عن مباريات لتوظيف 189 مقيماً ثم 210 مقيمين في تخصصات الطب والصيدلة وطب الأسنان، إلى جانب 80 منصباً للداخليين بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان.

وهذه المعطيات تؤكد أن الرهان لا يتعلق فقط ببناء وتجهيز المؤسسات، وإنما كذلك بتوفير الأطر الطبية والتمريضية والإدارية القادرة على تشغيلها بكفاءة، لأن أي إصلاح صحي لن يحقق أهدافه إذا لم يواكبه استثمار متواصل في الموارد البشرية وتحسين ظروف العمل وتوزيعها بشكل عادل بين مختلف أقاليم الجهة.

أما التعليم، فيظل الملف الثالث الذي يصعب تجاوزه في أي نقاش انتخابي بجهة فاس-مكناس، باعتبار أن الجهة تستقطب أعداداً كبيرة من التلاميذ والطلبة، وتحتضن جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس وجامعة مولاي إسماعيل بمكناس ومؤسسات جامعية ومدارس عليا ومراكز للتكوين، ما يجعل جودة التعليم العالي والجامعي والبحث العلمي والتكوين المهني جزءاً أساسياً من مستقبل الجهة الاقتصادي.

فالمشكلة لم تعد فقط في توفير مقعد جامعي، وإنما في جودة التكوين، وملاءمة الشعب والتخصصات مع سوق الشغل، والسكن الجامعي، والنقل، والبحث العلمي، وربط الجامعة بالمقاولة، وخلق مسارات حقيقية لانتقال الخريج من المدرج إلى سوق العمل. وهذا ما يجعل ملف التعليم مرتبطاً بشكل مباشر بملف التشغيل، لأن الجامعة التي لا تفتح أمام خريجيها أبواب الاندماج الاقتصادي تظل أمام تحدٍّ يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية.

وتملك الجهة بالفعل برامج ومشاريع لتطوير بنياتها الجامعية، من بينها مشاريع مرتبطة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، تشمل توسيع البنيات الجامعية وإحداث أقطاب ومؤسسات جديدة، إلى جانب مشاريع للرقمنة والتعليم الأولي والحاضنات، بما يعكس حجم الرهان على التعليم والبحث العلمي باعتبارهما رافعة للتنمية الجهوية.

لكن مرة أخرى، يبقى السؤال السياسي الأهم: متى يشعر المواطن والطالب والأستاذ والخريج بأن هذه المشاريع تحولت إلى نتائج ملموسة؟

وهنا تدخل الانتخابات التشريعية بجهة فاس-مكناس إلى مرحلة مختلفة؛ فالمواطن لم يعد معنياً فقط بمعرفة اسم المرشح أو الحزب الذي ينتمي إليه، وإنما بما يستطيع هذا المرشح الدفاع عنه داخل البرلمان والحكومة، وبقدرته على نقل المطالب الحقيقية للجهة إلى مركز القرار.

فالتشغيل يحتاج إلى سياسة استثمارية جهوية أكثر جرأة، والصحة تحتاج إلى موارد بشرية وتجهيزات وحكامة ومسارات علاج فعالة، والتعليم يحتاج إلى جودة وتكوين مرتبط بسوق العمل، بينما تحتاج الأقاليم التسعة إلى عدالة مجالية تضمن ألا تظل التنمية متمركزة في فاس ومكناس على حساب باقي المجالات الترابية.

ومن هنا، فإن جهة فاس-مكناس تدخل هذه الانتخابات وهي أمام امتحان حقيقي للأحزاب وليس مجرد منافسة على المقاعد البرلمانية. فالمواطن يريد أن يعرف ما الذي سيحصل عليه إقليم تاونات، وماذا ينتظر مولاي يعقوب، وكيف ستتعزز البنيات الصحية والتعليمية بصفرو وبولمان والحاجب وإفران وتازة، وكيف ستخلق مكناس وفاس فرصاً جديدة للشباب، وكيف ستستفيد باقي المجالات القروية من الاستثمارات والبرامج الوطنية والجهوية.

والرهان الأكبر سيكون على قدرة الفاعل السياسي على الانتقال من منطق «سنخلق فرص الشغل وسنطور الصحة والتعليم» إلى منطق أكثر دقة: كم منصباً؟ في أي قطاع؟ بأي تمويل؟ ما الجدول الزمني؟ وما الجهة المسؤولة عن التنفيذ؟ وكيف سيتم تقييم النتائج؟

فالمغرب اليوم يعيش مرحلة تتطلب سياسات عمومية أكثر نجاعة، وجهة فاس-مكناس مطالبة بأن تكون جزءاً من هذا التحول، لا أن تكتفي بتكرار الخطابات الانتخابية التقليدية. فالاستثمار في الشباب هو استثمار في استقرار المجتمع، وإصلاح الصحة هو استثمار في كرامة المواطن، وتجويد التعليم هو استثمار في مستقبل الجهة بأكملها.

ولهذا، فإن الحملة الانتخابية الحالية ستكون، بالنسبة إلى فاس-مكناس، مناسبة لاختبار قدرة الأحزاب على تقديم مشاريع واقعية ومقنعة، وليس فقط رفع الشعارات. فالمواطن الذي يعاني من البطالة يريد عملاً، والذي ينتظر العلاج يريد مستشفى فعالاً، والذي يرسل أبناءه إلى المدرسة والجامعة يريد تعليماً جيداً، والذي يعيش في العالم القروي يريد أن يرى نصيبه من التنمية كما يراه المواطن في المراكز الحضرية.

وفي المحصلة، فإن الرسالة التي تفرض نفسها في جهة فاس-مكناس مع بداية الحملة الانتخابية واضحة: المقاعد البرلمانية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة للدفاع عن قضايا الجهة وانتزاع موقعها الحقيقي في السياسات العمومية الوطنية. والناخب الجهوي أمام استحقاق سيختبر فيه قدرة المرشحين على تقديم أجوبة حقيقية عن الأسئلة التي تؤرقه اليوم: أين فرص الشغل؟ متى تتحسن الخدمات الصحية؟ وكيف يصبح التعليم فعلاً جسراً إلى المستقبل؟

هذه هي الملفات التي ستحدد، بعيداً عن الشعارات والوعود، قيمة البرامج الانتخابية ومدى قدرتها على إقناع مواطني فاس-مكناس بأن المرحلة المقبلة يمكن أن تكون مرحلة انتقال من انتظار الحلول إلى صناعة النتائج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى