دخول مدرسي مرتبك بفاس-مكناس.. التسجيل يتعثر والوزارة والأكاديمية مطالبتان بكشف الحقيقة

مع اقتراب موعد الانطلاق الفعلي للدراسة برسم الموسم الدراسي 2026-2027، تطرح عدد من المؤشرات المتداولة داخل المؤسسات التعليمية بجهة فاس-مكناس علامات استفهام جدية حول مدى جاهزية المنظومة التربوية لاستقبال التلاميذ في ظروف طبيعية، خصوصا في ظل حديث عن تأخر في استكمال بعض عمليات التسجيل وإعادة التسجيل، وإكراهات مرتبطة بتدبير البنيات التربوية، إلى جانب تخوفات الأسر من استمرار الاكتظاظ والخصاص في بعض المؤسسات والمديريات الإقليمية.
واللافت أن هذه الوضعية تأتي في وقت تؤكد فيه وزارة التربية الوطنية أن الدخول المدرسي سيتم في موعده المحدد سلفا، وأن يوم 7 شتنبر 2026 سيكون موعد الانطلاق الفعلي للدراسة. غير أن تحديد الموعد شيء، وضمان جاهزية جميع المؤسسات والأقسام والأطر واللوائح الإدارية والتربوية شيء آخر، وهو ما يجعل الأيام القليلة المتبقية أمام الأكاديمية الجهوية والمديريات الإقليمية بمثابة اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل التعليمات المركزية إلى واقع ميداني.
بلاغات مطمئنة.. وأسئلة مقلقة في الميدان
خلال الأسابيع الماضية، كثفت المديريات الإقليمية التابعة لجهة فاس-مكناس اجتماعاتها ولجانها استعدادا للدخول المدرسي، وتم الإعلان عن لقاءات تنسيقية وبرامج لتتبع جاهزية المؤسسات التعليمية، وهو ما يعكس وجود تعبئة إدارية واضحة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي الاجتماعات واللجان والتقارير لضمان دخول مدرسي سلس؟
فالأسرة لا تنتظر بيانات إدارية ولا اجتماعات تنسيقية، وإنما تريد أن تعرف أين سيدرس أبناؤها، وهل تم تسجيلهم فعليا، وهل توجد مقاعد كافية، وهل سيجدون أساتذتهم منذ اليوم الأول، وهل تم ضبط الأقسام والجداول الزمنية، وهل المؤسسات جاهزة فعلا لاستقبالهم؟
وهنا تحديدا تظهر الفجوة التي يتعين على الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس-مكناس أن تقدم بشأنها أجوبة واضحة للرأي العام.
التسجيل.. الحلقة التي لا تحتمل التأخير
من أكثر الملفات حساسية في بداية كل موسم دراسي عملية التسجيل وإعادة التسجيل، لأنها ترتبط مباشرة بمصير التلميذ ومساره الدراسي، وبقدرة الإدارة على ضبط الخريطة المدرسية وتحديد عدد الأقسام وحاجيات كل مؤسسة من الموارد البشرية.
وأي تأخر في حسم هذه العمليات ينعكس بشكل مباشر على بقية حلقات الدخول المدرسي، لأن عدم استقرار لوائح التلاميذ يؤدي إلى صعوبة ضبط الأقسام، وقد يفتح الباب أمام تغييرات متأخرة في البنيات التربوية، ويزيد الضغط على الإدارات والأساتذة والأسر.
وإذا كانت هناك، فعلا، حالات تأخر في تسجيل أو إعادة تسجيل تلاميذ داخل بعض المديريات التابعة للجهة، فإن المسؤولية لا يمكن أن تلقى بالكامل على عاتق الأسر أو الإدارات المحلية، بل يتعين على الأكاديمية والمديريات الإقليمية توضيح أسباب هذه الوضعية، وحجمها، والإجراءات المتخذة لمعالجتها قبل الانطلاق الفعلي للدراسة.
فالمدرسة العمومية ليست مجالا لتدبير الملفات في آخر لحظة، والتلميذ ليس رقما يمكن الانتظار إلى الأيام الأولى من الموسم الدراسي من أجل ضبط وضعيته.
الاكتظاظ.. مشكلة قديمة تعود إلى الواجهة
ولا يمكن الحديث عن الدخول المدرسي في جهة فاس-مكناس دون التوقف عند ملف الاكتظاظ، الذي سبق أن كان موضوع انتقادات من أطر تربوية ونقابية بالجهة.
فقد سبق للمكتب الجهوي لنقابة المتصرفين التربويين أن تحدث، خلال الموسم الدراسي السابق، عن مشاكل مرتبطة بالاكتظاظ وعدم استقرار البنيات التربوية واعتبر أن بعض المؤسسات لم تكن جاهزة بالشكل المطلوب، وهي معطيات تعود إلى 2025 لكنها تكشف أن الإشكال ليس وليد هذا الموسم فقط.
والسؤال اليوم هو: ماذا تغير؟
هل تم استباق ارتفاع أعداد التلاميذ؟ وهل جرى ضبط الخريطة المدرسية قبل بداية الموسم؟ وهل تم توفير الأطر الضرورية في المؤسسات التي تعرف ضغطا متزايدا؟ وهل ستظل بعض الأقسام تعمل بأعداد مرتفعة، بما ينعكس سلبا على جودة التعلمات؟
هذه أسئلة لا يمكن للأكاديمية أن تجيب عنها بلغة عامة، وإنما تحتاج إلى أرقام دقيقة ومعطيات محينة.
جهة واسعة.. وتدبير يحتاج إلى مزيد من الدقة
تتميز جهة فاس-مكناس باتساع مجالها الترابي وتنوع أوساطها الحضرية والقروية، وهو ما يجعل تدبير الدخول المدرسي فيها أكثر تعقيدا من مجرد إصدار تعليمات موحدة.
فهناك مؤسسات جديدة، وأخرى تحتاج إلى تأهيل، ومناطق تعرف نموا ديموغرافيا، وأخرى تعاني صعوبات مرتبطة بالنقل المدرسي، فضلا عن تفاوتات في الموارد البشرية والبنيات والتجهيزات.
وتشير معطيات رسمية مرتبطة بالاستثمار العمومي إلى برمجة 458 قاعة للتعليم الأولي بجهة فاس-مكناس ضمن برنامج الدخول المدرسي 2026-2027، وهو رقم يعكس حجم الجهد الاستثماري المطلوب لمواكبة الطلب على التمدرس، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا حول سرعة إنجاز هذه المشاريع ومدى جاهزيتها في الوقت المناسب.
الوزارة مطالبة بالخروج من منطق البلاغات
المشكلة ليست في الإعلان عن الاستعداد للدخول المدرسي، ولا في عقد الاجتماعات واللقاءات التنسيقية، وإنما في مدى انعكاس هذه الإجراءات على الواقع.
فالوزارة مطالبة اليوم بتقديم صورة واضحة عن وضعية الدخول المدرسي بجهة فاس-مكناس، خصوصا في ما يتعلق بالتسجيل، والاكتظاظ، والخصاص في الموارد البشرية، وجاهزية المؤسسات، واستقرار الخريطة التربوية.
كما أن الأكاديمية الجهوية مطالبة بدورها بالتواصل مع الأسر والرأي العام بلغة الأرقام، وليس بلغة العبارات الفضفاضة.
كم عدد التلاميذ الذين تم تسجيلهم؟
كم عدد الملفات التي ما تزال عالقة؟
كم مؤسسة تعرف ضغطا استثنائيا؟
كم منصباً ما يزال شاغرا؟
كم قسما تم فتحه؟
وكم مؤسسة لم تستكمل جاهزيتها؟
هذه هي الأسئلة التي تنتظر الأسر أجوبة عنها، وليس فقط الحديث عن «التعبئة» و«الاستعداد» و«التنسيق».
المسؤولية لا تبدأ يوم الدخول المدرسي
والأخطر أن التعامل مع الاختلالات بعد دخول التلاميذ إلى الأقسام يعني عمليا نقل عبء التدبير المتأخر إلى مديري المؤسسات والأساتذة والأسر.
فإذا لم تكن الخريطة التربوية مضبوطة، فستظهر الارتجالية في توزيع التلاميذ.
وإذا لم تكن التسجيلات محسومة، فستبقى الأقسام في حالة حركة.
وإذا لم يكن الخصاص في الأطر قد عولج، فسيجد التلاميذ أنفسهم أمام ساعات فراغ أو أقسام مكتظة.
وإذا لم تكن المؤسسات جاهزة، فإن أي حديث عن «دخول مدرسي ناجح» سيظل مجرد عنوان إداري لا يعكس بالضرورة حقيقة الميدان.
فاس-مكناس لا تحتاج إلى تجميل الصورة
الجهة لا تحتاج اليوم إلى بيانات دعائية لتجميل صورة الدخول المدرسي، وإنما تحتاج إلى مصارحة حقيقية بالمشاكل الموجودة، مهما كان حجمها، لأن الاعتراف بالاختلال هو أول خطوة لمعالجته.
كما أن انتقاد تدبير الأكاديمية والمديريات لا يعني التقليل من مجهودات نساء ورجال التعليم والإدارة التربوية الذين يوجدون في الواجهة ويواجهون يوميا ضغط الأسر والتلاميذ والإكراهات التنظيمية.
بل على العكس، فإن حماية هؤلاء الأطر تقتضي تحميل المسؤولية لمن يملك القرار والتخطيط، بدل ترك المدير أو الأستاذ في مواجهة الأسر بسبب اختلالات قد تكون مرتبطة بقرارات أو تدبير على مستوى أعلى.
اختبار حقيقي للأكاديمية والوزارة
في نهاية المطاف، سيكون يوم 7 شتنبر موعدا لاختبار فعلي، وليس مجرد تاريخ وارد في مقرر وزاري.
فإذا دخل التلاميذ إلى مؤسساتهم، ووجدوا أقسامهم مضبوطة، وأساتذتهم حاضرين، وتسجيلاتهم محسومة، ومرافقهم جاهزة، وخدمات النقل والإطعام والتوجيه مؤمنة حيثما كانت مطلوبة، فإن الحديث عن دخول ناجح سيكون مبنيا على واقع ملموس.
أما إذا استمرت حالات التسجيل المتأخر، واضطراب الأقسام، والاكتظاظ، والخصاص، وتغيير البنيات في الأيام الأولى، فإن المسؤولية ستكون أكبر من أن تختزل في «إكراهات الدخول المدرسي».
إن جهة فاس-مكناس تستحق دخولا مدرسيا يرقى إلى حجمها وانتظارات أسرها، ولا يكفي أن تكون الملفات «جاهزة على الورق». المطلوب هو أن تكون المدرسة جاهزة فعلا لاستقبال التلميذ.
وهنا تقع المسؤولية أولا على وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في التخطيط والتأطير وضمان الموارد، وعلى الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس في التنزيل الجهوي والتتبع والمراقبة، وعلى المديريات الإقليمية في التنفيذ اليومي.
فالأسرة لا يهمها عدد الاجتماعات التي عقدت، ولا عدد اللجان التي اجتمعت؛ ما يهمها أن يدخل ابنها إلى المدرسة يوم 7 شتنبر دون ارتباك، ودون أن يجد نفسه ضحية تأخر إداري أو سوء تدبير أو نقص في الاستعداد.
وهذا هو المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن تُقاس به حصيلة الدخول المدرسي، وليس البيانات وحدها.






