قضايا

أموال المخدرات تهدد نزاهة الانتخابات.. النيابة العامة بالقنيطرة تفتح بحثاً قضائياً في تصريحات مرشح

انتقلت تصريحات انتخابية مثيرة للجدل من فضاء التجمعات الحزبية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى دائرة البحث القضائي، بعدما أمر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، الخميس 3 شتنبر 2026، بفتح بحث قضائي بشأن تصريح أدلى به أحد المرشحين للانتخابات التشريعية المرتقبة، تحدث فيه عن إمكانية استعمال أموال متحصلة من المخدرات للتأثير على العمليات الانتخابية.

وجاء تدخل النيابة العامة عقب تداول مضمون التصريح على نطاق واسع عبر عدد من منصات التواصل الاجتماعي، في سياق انتخابي حساس يتزامن مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، التي تعرف حالياً تصاعداً في وتيرة الحملات والتجمعات الحزبية واستقطاب الناخبين.

وأكد الوكيل العام للملك، في بلاغ موجه إلى الرأي العام، أن النيابة العامة، وانطلاقاً من الأدوار الموكولة إليها في إطار السهر على سلامة العملية الانتخابية، أمرت بفتح بحث قضائي للوقوف على حيثيات وظروف التصريح المذكور، مع ترتيب الآثار القانونية اللازمة على ضوء ما ستسفر عنه الأبحاث.

تصريحات خطيرة تدخل المسار القضائي

وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المعطيات التي تضمنها التصريح موضوع البحث، بعدما جرى الحديث عن وجود كمية مهمة من المخدرات وإمكانية توظيف الأموال المتحصلة منها للتأثير على العملية الانتخابية.

وتشير تقارير إعلامية متطابقة إلى أن التصريح يعود إلى مصطفى الإبراهيمي، المرشح عن حزب العدالة والتنمية بدائرة القنيطرة، والذي تحدث خلال لقاء حزبي عن كمية من المخدرات، وربط بين العائدات المالية المفترضة منها وإمكانية استخدامها للتأثير في الانتخابات والمؤسسات المنتخبة. غير أن الأهم من الناحية القانونية أن بلاغ الوكيل العام للملك لم يذكر اسم المرشح، واكتفى بالإشارة إلى «أحد المرشحين»، وهو ما يفرض التعامل مع هوية صاحب التصريح باعتبارها معطى أوردته وسائل الإعلام، وليس توصيفاً صادراً عن النيابة العامة.

البحث القضائي لا يعني الإدانة

ويأتي فتح البحث في إطار الاختصاصات الطبيعية للنيابة العامة في حماية سلامة العملية الانتخابية، ولا يعني في حد ذاته ثبوت صحة الادعاءات التي تضمنها التصريح أو قيام مسؤولية جنائية في حق صاحبه.

فالغاية الأساسية من البحث، وفق البلاغ الرسمي، هي التحقق من حقيقة المعطيات التي تم تداولها، وظروف الإدلاء بالتصريح وملابساته، قبل ترتيب أي آثار قانونية يمكن أن تترتب عن نتائج البحث.

وتبرز هذه النقطة باعتبارها أساسية في التعاطي الإعلامي مع القضية، خصوصاً أن الحديث يتعلق بمعطيات شديدة الحساسية تمس نزاهة الاستحقاقات الانتخابية ومصادر تمويل محتملة يمكن أن تؤثر على إرادة الناخبين.

نزاهة الانتخابات تحت المجهر

ويحمل تدخل النيابة العامة بالقنيطرة رسالة واضحة بشأن طبيعة المرحلة الانتخابية الحالية، مفادها أن الحديث عن إمكانية توظيف أموال غير مشروعة للتأثير على نتائج الانتخابات لا يمكن أن يبقى مجرد نقاش حزبي أو مادة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالانتخابات، باعتبارها آلية دستورية لإفراز المؤسسات التمثيلية، تقوم على مبدأ أساسي هو حرية اختيار الناخبين بعيداً عن أي ضغط أو إغراء أو تأثير غير مشروع. ومن ثم، فإن أي معطيات من شأنها أن تثير شبهة محاولة التأثير المالي أو غير القانوني على العملية الانتخابية تصبح قابلة للتحقق والبحث متى بلغت إلى علم السلطات المختصة.

وفي هذا السياق، شدد الوكيل العام للملك على أن فتح البحث يندرج ضمن حرص النيابة العامة على ضمان التطبيق السليم للقانون وصون نزاهة العملية الانتخابية.

القنيطرة.. الاستحقاق الانتخابي يدخل مرحلة أكثر حساسية

وتأتي هذه القضية في وقت دخلت فيه الانتخابات التشريعية المرتقبة مرحلة متقدمة، مع انتقال الأحزاب السياسية من مرحلة الإعداد الداخلي إلى التحرك الميداني وتقديم المرشحين وتنظيم اللقاءات والتجمعات الانتخابية.

وفي مثل هذه المرحلة، يصبح الخطاب السياسي أكثر تأثيراً في الرأي العام، كما تصبح التصريحات التي تتضمن اتهامات أو معطيات مرتبطة بالمال الانتخابي والجريمة المنظمة ذات تبعات أكبر، خصوصاً عندما تنتقل من قاعات الاجتماعات إلى الفضاء الرقمي وتتحول إلى مادة واسعة التداول.

ومن هنا، فإن البحث القضائي المفتوح بالقنيطرة لا يتعلق فقط بتصريح انتخابي بعينه، وإنما يضع أيضاً قضية مصادر تمويل الحملات الانتخابية وحدود الخطاب السياسي ومسؤولية المرشحين عن المعطيات التي يقدمونها للرأي العام تحت المجهر.

ماذا سيكشف البحث؟

يبقى السؤال المركزي الآن هو: هل يمتلك صاحب التصريح معطيات أو أدلة تستند إليها أقواله، أم أن الأمر يتعلق بتقديرات أو معطيات غير موثقة جرى تقديمها خلال نقاش سياسي؟

هذا السؤال تحديداً هو ما يفترض أن تجيب عنه الأبحاث التي أمرت بها النيابة العامة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو القراءات السياسية المتسرعة.

وفي انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث، تظل التصريحات موضوع القضية في إطار المعطيات قيد التحقق، بينما تبقى الكلمة الأخيرة للجهات القضائية المختصة في تحديد حقيقة الوقائع وما إذا كانت تستوجب ترتيب مسؤوليات قانونية من عدمه.

رسالة في توقيت انتخابي دقيق

ويكتسب قرار فتح البحث القضائي دلالته السياسية والقانونية من توقيته، إذ يأتي في خضم الاستعدادات للانتخابات التشريعية، وفي وقت يرتفع فيه منسوب التنافس بين الأحزاب والمرشحين.

وبعيداً عن التجاذبات الحزبية، فإن جوهر القضية يتمثل في حماية الصندوق الانتخابي من أي محاولة للتأثير غير المشروع، سواء تعلق الأمر بالمال أو الضغط أو استغلال النفوذ أو أي وسيلة أخرى يمكن أن تمس بحرية الناخبين ونزاهة الاقتراع.

وبذلك، وضعت النيابة العامة بالقنيطرة هذه التصريحات أمام الاختبار القضائي، في انتظار أن تكشف نتائج البحث حقيقة ما قيل، والظروف التي قيل فيها، وما إذا كانت المعطيات المتداولة تستند إلى وقائع قابلة للإثبات أم لا.

وفي جميع الحالات، فإن الرسالة الأبرز التي يحملها هذا التدخل هي أن نزاهة الانتخابات ليست مجرد شعار انتخابي، وإنما مسؤولية قانونية ومؤسساتية تبدأ قبل يوم الاقتراع وتستمر إلى حين إعلان النتائج وترتيب الآثار القانونية بشأن أي خروقات تثبتها الأبحاث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى