تاونات تعيد رسم خريطة السقي.. أوراش مائية كبرى ومواكبة إقليمية لانتقال الفلاحة نحو اقتصاد الماء

لا تبدو مسألة الماء في إقليم تاونات مجرد ملف تقني مرتبط بموسم فلاحي أو بكمية التساقطات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من القضايا المركزية التي ستحدد مستقبل المجال القروي والاقتصاد المحلي، في ظل توالي فترات الجفاف وتغير أنماط التساقطات وارتفاع الحاجة إلى ضمان موارد مائية أكثر استدامة.
وفي هذا السياق، تستعد تاونات لتحديث وتطوير المخطط المديري للسقي الصغير والمتوسط، في خطوة تستهدف إعادة تقييم واقع منظومات السقي بالإقليم، والوقوف على الإمكانيات المتاحة وآفاق تطويرها، بما ينسجم مع التحولات التي عرفها المجال خلال السنوات الأخيرة.
المشروع لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد دراسة تقنية جديدة، وإنما باعتباره محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإمكانيات المائية التي يتوفر عليها الإقليم وبين حاجيات الفلاحين، خصوصاً أن تاونات تتوفر على مؤهلات فلاحية كبيرة، في وقت أصبح فيه الاستعمال الرشيد للماء شرطاً أساسياً لاستمرار النشاط الزراعي.
الماء.. معركة المستقبل في إقليم فلاحي بامتياز
تكتسي قضية السقي أهمية استثنائية في تاونات بالنظر إلى الوزن الذي تحتله الفلاحة داخل الاقتصاد المحلي، وإلى الامتداد الكبير للمجال القروي.
وتشير معطيات محلية حديثة إلى أن الإقليم يمتد على حوالي 560 ألف هكتار، منها نحو 425 ألف هكتار صالحة للزراعة، فيما يتجاوز عدد الاستغلاليات الفلاحية 108 آلاف استغلالية، وتشكل الساكنة القروية حوالي 88 في المائة من مجموع سكان الإقليم. كما تتجاوز المساحة المغروسة بأشجار الزيتون 150 ألف هكتار.
هذه الأرقام تجعل من الماء أكثر من مجرد مورد طبيعي؛ فهو عنصر مرتبط مباشرة بالدخل والاستقرار الاجتماعي واستمرار الأنشطة الفلاحية.
ولهذا، فإن تحديث منظومة السقي لا يتعلق فقط بزيادة المساحات المسقية، وإنما بكيفية جعل كل متر مكعب من المياه أكثر إنتاجية، والحد من الضياع، واختيار أنظمة ري تتلاءم مع الواقع المناخي الجديد.
سدود كبرى تعيد تشكيل المعادلة المائية
وتأتي هذه الدينامية في وقت يشهد فيه إقليم تاونات واحداً من أهم التحولات المائية على مستوى حوض سبو، مع تقدم أشغال سد سيدي عبو وسد الرتبة.
فسد سيدي عبو، الواقع على وادي اللبن بجماعة عين معطوف بمنطقة تيسة، تصل حقينته الإجمالية إلى 200 مليون متر مكعب، وكانت نسبة إنجاز أشغاله قد بلغت 99 في المائة في فبراير الماضي، مع استعداد المشروع لاستقبال الواردات المائية بعد استكمال الفحوصات والأشغال النهائية. كما يرتقب أن يساهم في الحماية من الفيضانات وتوفير المياه للسقي.
أما سد الرتبة، فيمثل حجماً أكبر بكثير، إذ تبلغ سعته التخزينية ملياراً و9 ملايين متر مكعب، وتقدر كلفته الإجمالية بحوالي 4.5 مليار درهم، وقد بلغت نسبة إنجازه 55 في المائة وفق آخر معطى منشور من قطاع التجهيز والماء قبل أيام، مع توقع ربح زمني يناهز 12 شهراً مقارنة بالأجل التعاقدي.
وهذه المشاريع تغير بصورة عميقة معادلة الماء في الإقليم، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أساسياً: كيف سيتم تحويل هذه الإمكانيات المائية الكبرى إلى أثر مباشر على الفلاحة والمجال القروي؟
وهنا تحديداً تظهر أهمية تحديث مخطط السقي الصغير والمتوسط.
من السد إلى الحقل.. الحلقة التي تحتاج إلى استكمال
فالسد، مهما بلغت طاقته التخزينية، لا يحقق وحده التنمية الفلاحية المنشودة.
المياه تحتاج إلى شبكات، والشبكات تحتاج إلى صيانة، والسقي يحتاج إلى تقنيات مقتصدة، والفلاح يحتاج إلى منظومة تمكنه من الاستفادة من المورد المائي في الوقت المناسب وبأقل كلفة ممكنة.
ومن هنا تبرز أهمية المخطط الجديد الذي يفترض أن يعيد رسم خريطة السقي بالإقليم، ويحدد المناطق التي يمكن تطويرها، والشبكات التي تحتاج إلى التأهيل، والإمكانيات التي يمكن تعبئتها، فضلاً عن تحديد الأولويات وفق الحاجيات الفعلية للمجال.
والهدف النهائي ينبغي ألا يكون مجرد توسيع المساحات المسقية، وإنما بناء فلاحة أكثر قدرة على مقاومة الجفاف.
السلطات الإقليمية.. مواكبة ميدانية تتجاوز التنسيق الإداري
وفي خضم هذه الأوراش، برز خلال الفترة الأخيرة حضور واضح للسلطات الإقليمية في مواكبة وتتبع المشاريع التي ترتبط بالبنيات الأساسية والخدمات العمومية والتنمية المجالية.
فالسلطة الإقليمية لم تعد تكتفي بتلقي التقارير، وإنما اعتمدت على التتبع الميداني والتنسيق بين مختلف المتدخلين، وهو ما يظهر في عدد من الأوراش التي تعرفها تاونات.
وقد ساهمت لجنة التنسيق وتتبع المشاريع بالإقليم في إعطاء دينامية أكبر لهذا المسار، من خلال مواكبة المشاريع والوقوف على مستوى تقدمها والدفع نحو تجاوز الإكراهات التي قد تعترض تنفيذها.
وتؤكد المعطيات المنشورة حول المشاريع التي تم إطلاقها أو تدشينها خلال يوليوز الماضي أن الإقليم شهد حزمة من الأوراش التنموية والاجتماعية تجاوز غلافها المالي الإجمالي 155 مليون درهم، في سياق مواصلة تعزيز البنيات الأساسية وتحسين الخدمات وتقليص الفوارق المجالية.
والأهم في هذه الدينامية أن عامل الإقليم تابع ميدانياً عدداً من الأوراش، وأصدر توجيهات بتسريع وتيرة الإنجاز واحترام المواصفات التقنية والآجال، بما يعكس توجهاً نحو جعل التتبع الميداني جزءاً من تدبير المشاريع وليس مجرد إجراء بروتوكولي.
الماء الصالح للشرب.. المعركة الأخرى في العالم القروي
ولا يمكن فصل السقي عن قضية الماء الصالح للشرب، خصوصاً في إقليم تتسع فيه الرقعة القروية وتتوزع الساكنة على عدد كبير من الجماعات والدواوير.
وفي هذا الإطار، تتواصل مشاريع لتعزيز التزويد بالماء الصالح للشرب بعدد من المناطق، من بينها مشروع تزويد دواوير تابعة لجماعة الخلالفة، الذي يهدف إلى تقوية وربط الشبكات الأساسية للقنوات، ويندرج ضمن البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي.
كما شهد دوار النقلة بجماعة غفساي مشروعاً مائياً مكّن من تأمين الماء الصالح للشرب لأكثر من 2000 نسمة كانوا يعانون من شح الموارد خلال فترات الجفاف.
وتكشف هذه المشاريع أن معركة الماء في تاونات لها وجهان متكاملان: تأمين مياه الشرب للسكان، وتوفير شروط استدامة النشاط الفلاحي.
الساهلة.. درس في ضرورة تجاوز التعثرات
لكن الصورة ليست كلها أوراشاً ناجحة، فهناك أيضاً مشاريع واجهت صعوبات وتأخرات، وهو ما يفرض التعامل معها بواقعية.
ومن أبرز الأمثلة مشروع السقي بالساهلة، الذي عرف إكراهات مرتبطة بتوالي سنوات الجفاف وأخرى تنظيمية أثرت على وتيرة تنزيله، وفق معطيات رسمية سبق أن تم الكشف عنها.
وهنا تظهر أهمية الدور الإقليمي في تتبع المشاريع المتعثرة، والتنسيق بين المتدخلين، والدفع نحو إيجاد حلول عملية بدل ترك المشاريع معلقة لسنوات.
فالمطلوب اليوم ليس فقط إطلاق المشاريع، وإنما ضمان وصولها إلى نهايتها، وتحويل الاعتمادات المرصودة إلى منشآت تعمل فعلياً على الأرض.
تاونات أمام فرصة تاريخية
تملك تاونات اليوم مجموعة من العناصر التي يمكن أن تجعلها تدخل مرحلة جديدة في تدبير الماء والفلاحة: مؤهلات فلاحية كبيرة، شبكة مائية مهمة، سد سيدي عبو الذي بلغ مراحل متقدمة جداً، سد الرتبة الذي يتقدم إنجازه، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالماء الصالح للشرب والسقي.
لكن تحويل هذه الإمكانيات إلى تنمية حقيقية يحتاج إلى رؤية متكاملة.
فالمطلوب هو الربط بين السدود والشبكات، وبين الشبكات والفلاح، وبين الماء والإنتاج، وبين الإنتاج والتسويق.
كما أن الاقتصاد في الماء يجب أن يصبح جزءاً من الثقافة الفلاحية اليومية، وليس مجرد شعار يرفع في سنوات الجفاف.
وتحتاج تاونات كذلك إلى إعطاء الأولوية للفلاحين الصغار، لأنهم يمثلون جزءاً كبيراً من النسيج الفلاحي بالإقليم، وبالتالي فإن أي سياسة للسقي لا تصل إليهم ستظل محدودة الأثر مهما بلغت قيمة الاستثمارات.
منطق جديد: كل قطرة ماء يجب أن تنتج قيمة
المعادلة التي تواجه تاونات اليوم بسيطة في ظاهرها لكنها حاسمة في نتائجها: كيف يمكن تحويل الوفرة المائية المحتملة إلى تنمية فلاحية مستدامة؟
والجواب يبدأ من التخطيط الجيد، ويمر عبر البنيات التحتية، وينتهي عند الحقل.
لذلك فإن تحديث المخطط المديري للسقي الصغير والمتوسط يجب أن يكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتحديد المجالات القابلة للتطوير، وربطها بالأوراش المائية الكبرى التي يعرفها الإقليم.
كما يجب أن يكون مناسبة لوضع تصور واضح للصيانة والاستدامة، حتى لا تتحول الشبكات والمنشآت بعد سنوات إلى عبء جديد يحتاج إلى إعادة تأهيل.
مرحلة جديدة في تدبير المجال
تاونات تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية.
فالأمر لم يعد يتعلق فقط بانتظار التساقطات المطرية أو تدبير سنوات الجفاف، وإنما ببناء منظومة قادرة على التكيف مع واقع مناخي جديد.
وإذا كانت السدود الكبرى ستوفر رصيداً مائياً مهماً، فإن نجاح الرهان سيظل مرتبطاً بمدى القدرة على توزيع هذا المورد بكفاءة وعدالة، وربطه بالاستثمار الفلاحي، ودعم المناطق القروية، وحماية النشاط الزراعي من تقلبات المناخ.
وفي هذه المعادلة، تصبح مواكبة السلطات الإقليمية وتتبعها للأوراش وتنسيقها بين مختلف المتدخلين عاملاً حاسماً، خصوصاً في إقليم واسع ومعقد جغرافياً مثل تاونات.
لقد أصبح واضحاً أن معركة تاونات المقبلة ليست فقط مع الجفاف، وإنما مع هدر الماء وسوء التخطيط وتأخر المشاريع.
وإذا نجح الإقليم في استثمار بنياته المائية الجديدة، وتحديث منظومة السقي، وتأهيل الشبكات، وتسريع المشاريع المتعثرة، فإن الماء يمكن أن يتحول من أكبر تحديات المنطقة إلى أحد أقوى محركات التنمية فيها.
وهنا يكمن الرهان الحقيقي: ليس أن تتوفر تاونات على الماء فقط، وإنما أن تعرف كيف تدبره، وكيف توصله إلى الفلاح، وكيف تحوله إلى إنتاج ودخل واستقرار وتنمية مستدامة.






