الولاة والعمال يدخلون على خط الأوراش العمومية.. تشديد المراقبة قبل الانتخابات

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، رفعت السلطات الترابية من وتيرة حضورها الميداني لمواكبة مختلف الأوراش والمشاريع العمومية المنجزة أو قيد الإنجاز بمختلف جهات المملكة، في خطوة تستهدف الوقوف بشكل مباشر على مستوى تقدم الأشغال، ورصد أسباب التعثر، وتسريع المشاريع التي تعرف تأخرا أو توقفا.
وتأتي هذه الدينامية في سياق تتزايد فيه أهمية المشاريع العمومية في المشهد المحلي، باعتبارها مرتبطة بشكل مباشر بحياة المواطنين وانتظاراتهم اليومية، خصوصا في مجالات البنيات التحتية، والطرق، والتأهيل الحضري، والنقل، والمرافق والخدمات العمومية، وغيرها من المشاريع التي تعبئ لها الدولة والجهات والجماعات اعتمادات مالية مهمة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الولاة والعمال تلقوا توجيهات تقضي بتكثيف الخرجات الميدانية وعدم الاكتفاء بالتقارير الإدارية والتقنية التي تصل إلى المصالح الترابية، مع ضرورة الانتقال إلى مواقع الأوراش ومعاينة الوضعية الفعلية للمشاريع، ومقارنة نسب الإنجاز بالآجال المحددة والاعتمادات المرصودة.
ويشمل هذا التوجه مختلف المشاريع التي تعرف تأخرا في التنفيذ، سواء تعلق الأمر بإكراهات تقنية أو مالية أو إدارية، أو بوجود صعوبات مرتبطة بتعدد المتدخلين، أو خلافات بين الأطراف المكلفة بالإنجاز. كما يفترض أن يتم تحديد مكامن الخلل والمسؤوليات، بدل الاكتفاء بتسجيل التأخر دون البحث عن أسبابه والحلول الممكنة لتجاوزه.
وتحظى الأوراش التي أثارت ملاحظات أو شكايات من المواطنين باهتمام خاص، من خلال إخضاعها لمعاينات ميدانية للتحقق من جودة الأشغال، ومدى احترام التصاميم ودفاتر التحملات والآجال التعاقدية، فضلا عن الوقوف على أسباب توقف بعض المشاريع التي كان يفترض أن تدخل حيز الاستغلال منذ فترة.
ولا تقتصر المهمة على رصد الاختلالات، إذ تتجه السلطات الترابية إلى البحث عن حلول عملية تسمح بإعادة إطلاق الأوراش المتوقفة وتسريع المشاريع القابلة للاستكمال في آجال قصيرة، مع إحالة الملفات التي تحتاج إلى قرارات أو تدخلات مركزية أو تقنية أو مالية على الجهات المختصة.
ويكتسي هذا التحرك أهمية إضافية بالنظر إلى الظرفية الانتخابية الحالية، إذ تخشى السلطات أن تتحول بعض المشاريع المتعثرة إلى مادة للاستغلال السياسي خلال الحملات الانتخابية، سواء من خلال تقديم مشاريع لم تكتمل على أنها حصيلة سياسية جاهزة، أو توظيف التأخر في إنجازها لتبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن دخول الولاة والعمال على خط تتبع المشاريع الجهوية والترابية يهدف، ضمنيا، إلى تحصين الأوراش العمومية من أي توظيف انتخابي غير مشروع، وضمان أن تبقى المشاريع التي تمولها الدولة أو الجهات أو المؤسسات العمومية مرتبطة بمنطق المرفق العام وخدمة المواطنين، وليس بالحسابات الانتخابية الضيقة.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن عددا من المشاريع الكبرى تعرف تعدد المتدخلين، من قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية ومجالس جهوية وجماعات ترابية وشركات ومقاولات، وهو ما يجعل تحديد المسؤوليات أمرا ضروريا كلما سجل تأخر في التنفيذ أو ظهرت اختلالات في الإنجاز.
وفي المقابل، فإن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يجعل من الضروري الفصل بوضوح بين العمل الإداري والتدبير الترابي من جهة، والممارسة السياسية والحملات الانتخابية من جهة أخرى، بما يضمن عدم تحويل الأوراش الممولة من المال العام إلى أدوات للدعاية أو المزايدة السياسية.
وتشير هذه الدينامية أيضا إلى توجه نحو جعل المعاينة الميدانية آلية أساسية في تقييم المشاريع، بدل الاقتصار على الأرقام والنسب التي تتضمنها التقارير المكتبية. فالانتقال إلى الورش ومعاينة الأشغال على أرض الواقع يسمح بالوقوف على تفاصيل قد لا تظهر في التقارير، سواء تعلق الأمر بوتيرة العمل أو جودة التنفيذ أو العراقيل التي تواجه المقاولات أو المتدخلين.
ومن المنتظر أن تفرز هذه الجولات تقارير تتضمن وضعية مختلف المشاريع، ونسب تقدم الأشغال، والأوراش المتوقفة، وأسباب التعثر، فضلا عن المقترحات العملية لتجاوز العراقيل وتسريع الإنجاز. كما يمكن أن تشكل هذه المعطيات قاعدة لاتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن المشاريع التي تحتاج إلى تدخل عاجل أو إعادة برمجة أو حلول استثنائية.
ويعكس هذا التوجه، في المحصلة، رغبة في الانتقال من مرحلة تدبير المشاريع من المكاتب إلى تتبعها ميدانيا، خصوصا أن حجم الاستثمارات العمومية وتعدد المشاريع الجهوية يفرضان مراقبة مستمرة لضمان احترام الآجال وجودة الأشغال وتحقيق الأهداف المعلنة.
ومع دخول البلاد أجواء الانتخابات التشريعية، تبدو الرسالة الأساسية واضحة: المشاريع العمومية ليست ملكا انتخابيا لأي جهة سياسية، ولا ينبغي أن تتحول الأوراش التي تمول من المال العام إلى وسيلة لتلميع صورة مرشح أو حزب، كما أن تعثرها لا يمكن أن يبقى خارج دائرة المساءلة الإدارية والتقنية.
وبالتالي، فإن تحرك الولاة والعمال على مستوى مختلف الجهات والأقاليم لا يرتبط فقط بمعالجة أوراش متعثرة، بل يندرج ضمن مقاربة أوسع تقوم على حماية المال العام، وتسريع تنفيذ المشاريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان حياد الإدارة الترابية خلال الاستحقاقات الانتخابية، مع الحرص على أن تصل المشاريع المبرمجة إلى المواطنين في آجالها وبالجودة التي تستحقها.






