مجلس المنافسة يوقف قطار قانون المحاماة.. جدل الولوج إلى المهنة يصل إلى أعلى مستويات الدولة

في تطور جديد يعكس حجم الجدل الذي يرافق مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، وجّه مجلس المنافسة مراسلة رسمية إلى رئيس الحكومة دعا من خلالها إلى التوقف المؤقت عن استكمال مسطرة المصادقة على النص المعروض حالياً على مجلس المستشارين، إلى حين تمكينه من دراسة مضامينه وإبداء رأيه بشأن عدد من المقتضيات التي يرى أنها تطرح إشكالات مرتبطة بالمنافسة وحرية الولوج إلى المهن الحرة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق نقاش وطني متصاعد حول مشروع القانون الجديد، الذي أثار منذ الكشف عن مضامينه ردود فعل متباينة بين الهيئات المهنية والفاعلين القانونيين والحقوقيين، خاصة فيما يتعلق بالشروط الجديدة المقترحة للولوج إلى مهنة المحاماة وبعض المقتضيات التي يعتبرها منتقدو المشروع ذات طابع إقصائي.
مجلس المنافسة يدخل على الخط
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن مجلس المنافسة استند في مراسلته إلى مقتضيات دستورية وقانونية تمنحه صلاحية إبداء الرأي في مشاريع القوانين ذات الأثر المباشر على المنافسة وتنظيم الأسواق والمهن، مؤكداً أن بعض المواد الواردة في مشروع قانون المحاماة تستدعي دراسة معمقة بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على مبدأ تكافؤ الفرص وحرية الولوج إلى المهنة.
ويرى المجلس أن المهن الحرة، وعلى رأسها مهنة المحاماة، لا تقتصر فقط على بعدها التنظيمي أو المهني، بل ترتبط أيضاً بمنطق المنافسة المشروعة وضمان المساواة بين المواطنين في فرص الولوج إلى سوق الشغل والخدمات القانونية، بما ينسجم مع روح الدستور ومبادئ الحكامة الجيدة.
تخوف من إقصاء فئات واسعة
ويتركز الجدل أساساً حول بعض الشروط التي تضمنها المشروع والتي يعتبرها عدد من المتابعين تضييقاً على فئات من خريجي الجامعات والباحثين عن الاندماج في سوق العمل القانوني، في وقت تشهد فيه المملكة ارتفاعاً متزايداً في أعداد حاملي الشهادات القانونية والحقوقية.
ويخشى منتقدو المشروع من أن يؤدي تشديد شروط الولوج إلى خلق نوع من الإغلاق المهني الذي قد يحد من تجديد النخب القانونية ويقلص فرص الشباب في الالتحاق بالمهنة، بينما ترى جهات أخرى أن رفع شروط الولوج يندرج ضمن مساعي الارتقاء بجودة الخدمات القانونية وتعزيز كفاءة الممارسين.
اختبار جديد للحكومة والبرلمان
وتضع مراسلة مجلس المنافسة الحكومة والبرلمان أمام معطى مؤسساتي جديد قد يؤثر على الجدولة الزمنية لمناقشة المشروع والمصادقة عليه، خصوصاً أن المجلس يعتبر هيئة دستورية مستقلة تضطلع بأدوار استشارية ورقابية مهمة في ما يتعلق بضمان المنافسة الحرة والنزيهة.
كما يطرح تدخل المجلس تساؤلات حول مدى احترام المساطر القانونية المتعلقة بإحالة مشاريع النصوص التي قد تكون لها انعكاسات على المنافسة، وحول ضرورة إشراك مختلف المؤسسات الدستورية في مراحل إعداد ومناقشة التشريعات ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.
ما وراء الجدل القانوني
ولا يبدو أن النقاش الدائر اليوم حول قانون المحاماة يقتصر على تفاصيل تقنية أو مهنية فحسب، بل يعكس صراعاً أوسع بين منطق حماية المهنة وضمان جودتها من جهة، ومنطق توسيع فرص الولوج إليها وتعزيز مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص من جهة أخرى.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مراسلات مجلس المنافسة ورد الحكومة عليها، يبدو أن مشروع قانون المحاماة دخل مرحلة جديدة من التدقيق المؤسساتي والسياسي، قد تعيد فتح النقاش حول فلسفة تنظيم المهن الحرة بالمغرب وحدود التوازن بين حماية المهنة وصيانة الحقوق الدستورية للمواطنين في الولوج العادل إلى فرص العمل والممارسة المهنية.
وبين مطالب تحديث مهنة المحاماة وضمان استقلاليتها، وبين الدعوات إلى احترام قواعد المنافسة وعدم إغلاق أبواب المهنة أمام الكفاءات الشابة، يجد مشروع القانون نفسه اليوم في قلب واحدة من أكثر المعارك التشريعية حساسية، وهي معركة تتجاوز المحامين أنفسهم لتلامس أسئلة العدالة الاجتماعية والإنصاف وتكافؤ الفرص في مغرب يسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات وربط التشريع بروح الدستور ومقتضيات الحكامة الحديثة.






