ملف الأحد: مغرب التحديات.. من مجد “الكان” إلى ملحمة “الإنقاذ”: قيادة ملكية حكيمة تهزم المؤامرات والطبيعة

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
مقدمة: الدولة كما تُرى في لحظات الضغط
لا تُختبر الدول في أوقات الرخاء ولا في مواسم الخطابات، بل تُعرَف حقيقتها حين تتقاطع التحديات، وتضيق هوامش الخطأ، وتصبح القرارات مسألة حياة أو موت. في هذا الإطار، شكّلت الأسابيع الأخيرة لحظة كاشفة لمسار الدولة المغربية، حيث تزامن نجاح سيادي قاري في تنظيم كأس أمم إفريقيا مع امتحان طبيعي قاسٍ فرضته فيضانات غير مسبوقة. لم يكن الحدثان منفصلين، بل متكاملين في كشف نموذج حكم اختار، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن يجعل من الفعل المؤسساتي ومن حماية الإنسان جوهر شرعيته السياسية.
الجزء الأول: كأس إفريقيا… من الرياضة إلى السيادة
لم يكن تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا مجرد إنجاز رياضي أو مناسبة احتفالية عابرة، بل كان فعلاً سيادياً مكتمل الأركان، تداخل فيه الأمني بالدبلوماسي، والاقتصادي بالرمزي، والمؤسساتي بالسياسي. فالدولة التي تنجح في استقبال قارة بأكملها ضمن معايير تنظيمية دقيقة، وببنية تحتية حديثة، وبقدرة أمنية استباقية، إنما تؤكد عملياً مستوى نضجها المؤسساتي وقدرتها على إدارة الأحداث الكبرى دون ارتباك أو استعراض.
الرؤية الملكية التي جعلت من الرياضة رافعة استراتيجية لم تكن قراراً ظرفياً، بل نتيجة تراكم طويل في الاستثمار في الإنسان، وفي البنيات، وفي صورة المغرب كشريك موثوق قارياً ودولياً. الملاعب لم تكن مجرد منشآت إسمنتية، بل واجهات سيادية تعكس دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تخاطب محيطها بلغة الإنجاز لا بلغة الشعارات.
هذا النجاح، بطبيعة الحال، لم يكن مريحاً لكل الأطراف في الإقليم، لأن كل تفوق هادئ يفضح فشلاً مزمناً لدى من اختاروا منطق الصراع بدل البناء. ورغم محاولات التشويش التي رافقت هذا الحدث، فإن الدولة المغربية اختارت الصمت المؤسساتي، وتركت الوقائع تتكلم، في سلوك لا يصدر إلا عن دولة واثقة من مسارها ومن عمقها الاستراتيجي.
الجزء الثاني: من بريق التنظيم إلى اختبار الطبيعة
ما ميّز التجربة المغربية ليس فقط النجاح في تنظيم حدث قاري، بل القدرة على الانتقال السلس من منطق الاحتفال إلى منطق الطوارئ. فالدول التي تُجيد التنظيم لا تُجيد دائماً تدبير الأزمات، غير أن المغرب أظهر تماسكاً مؤسساتياً نادراً، حيث واجه التساقطات المطرية الاستثنائية بمنطق الدولة لا بمنطق الارتجال.
مع أول مؤشرات الخطر، تم تفعيل منظومة التدخل، وتوحيد القرار، وتعبئة مختلف الأجهزة، دون تضارب في الصلاحيات أو تأخر في التنفيذ. لم يُترك الأمر للمبادرات الفردية، ولم تُستثمر الكارثة في الحسابات السياسية الضيقة، بل جرى التعامل معها باعتبارها مسؤولية سيادية مباشرة، تُدار من أعلى هرم الدولة إلى أدنى مستوى ميداني.
هذا الانتقال السلس كشف أن ما بُني في زمن الهدوء لم يكن شكلياً، بل كان استعداداً حقيقياً لزمن الشدة، وهو ما يفسر سرعة التدخل ونجاعة التنسيق بين القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي،و الأمن الوطني، والوقاية المدنية، والسلطات الترابية، ضمن منطق تكاملي يعكس وضوح القيادة ووحدة القرار.
الجزء الثالث: الجيش المغربي… من حماية الحدود إلى حماية الحياة
أحد أبرز معالم هذه المرحلة كان الحضور الميداني القوي للقوات المسلحة الملكية، ليس باعتبارها قوة ردع، بل باعتبارها ركيزة أساسية في حماية الأمن الإنساني. ففي وزان، والقصر الكبير، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، لم تكن مشاهد المروحيات والزوارق وفرق الغطس مجرد صور مؤثرة، بل تجسيداً لعقيدة عسكرية حديثة تعتبر أن أمن المواطن جزء لا يتجزأ من مفهوم السيادة.
تسخير المروحيات لانتشال العالقين وسط الأودية الجارفة، وتنفيذ عمليات إجلاء واسعة في زمن قياسي،و بناء مستوطنات للنازحين من الفياضانات، وتدبير فتح حقينات السدود بمنطق وقائي دقيق، كلها عناصر تؤكد أن المؤسسة العسكرية المغربية تشتغل ضمن رؤية استراتيجية واضحة، حيث يُستعمل العتاد السيادي حين تكون حياة الإنسان مهددة، دون تردد أو حسابات ضيقة.
هذه المقاربة ليست تقنية فقط، بل سياسية بمعناها العميق، لأنها تعكس تصوراً للدولة يعتبر أن شرعيتها تُختبر في قدرتها على حماية أضعف مواطنيها، في القرى المعزولة كما في المدن الكبرى، وهو ما يمنح المؤسسة العسكرية مكانتها الرمزية والعملية داخل المجتمع.
الجزء الرابع: حين تختار الدول بين منطق الإنقاذ ومنطق العصا
هنا تفرض المقارنة نفسها، لا بدافع الشماتة، بل بدافع الفهم. فالأمطار التي ضربت المغرب لم تعترف بالحدود، وامتدت آثارها إلى دول الجوار، غير أن الاختلاف الجوهري لم يكن في حجم التساقطات، بل في طبيعة الدولة وكيفية تعاطيها مع مواطنيها.
في المغرب، ومع تصاعد الخطر، جرى تسخير المروحيات، والزوارق، وفرق الغطس، للوصول إلى المواطنين العالقين وسط المياه والأوحال، في مشهد يؤكد أن الدولة تنتقل إلى المواطن ولا تنتظر احتجاجه أو خروجه إلى الشارع. في المقابل، أظهرت الوقائع في دول مجاورة نموذجاً مغايراً، حيث وُوجه غضب المواطنين المتضررين بالقمع، واستُعملت “العصا” كعتاد للقوة العمومية لضبط الاحتجاج بدل إستعمال المروحيات و الزوارق و الجرافات لإنقاذ الأرواح، في تعبير صارخ عن فلسفة حكم ترى في المواطن خطراً حتى وهو ضحية.
هذا الفرق لا يتعلق بالإمكانيات فقط، بل بالعقيدة السياسية التي تحكم استعمالها. فالدولة التي ترى في الكارثة اختباراً لشرعيتها تختار الإنقاذ، أما الدولة التي تراها تهديداً لسلطتها فتختار العصا. وبين النموذجين، يبرز المغرب كدولة اختارت الاستثمار في الثقة بدل الاستثمار في الخوف.
الجزء الخامس: حكامة الأزمة والرؤية الملكية
تدبير فتح حقينة سد الوحدة ووادي المخازن مثّل نموذجاً للحكامة الهادئة، حيث لم يكن القرار ارتجالياً، بل مبنياً على معطيات تقنية دقيقة وتنسيق محكم بين مختلف المتدخلين. تم إجلاء آلاف المواطنين في وقت قياسي، دون فوضى، ودون خسائر بشرية تُذكر، وهو ما يؤكد أن الدولة المغربية راكمت خبرة مؤسساتية في تدبير المخاطر.
هذه الحكامة ليست معزولة عن الرؤية الملكية التي أعادت تعريف مفهوم السلطة، باعتبارها خدمة وحماية قبل أن تكون ضبطاً وتحكماً. فحين تُدار الأزمات بهذا المنطق، تتحول الكوارث من لحظات تهديد إلى لحظات تعزيز للثقة بين الدولة والمجتمع،فحينما يختار المسؤول نزع حذائه و ربطة عنقه وإرتداء ملابس الأوحال و المياه فأعلم أن المغرب يسير في الطريق الصحيح و أن ملاحم ثورة الملك و الشعب لا تنتهي.
المغرب كما هو
ما عاشه المغرب خلال هذه المرحلة لم يكن استثناءً، بل تأكيداً لمسار طويل من البناء الهادئ. دولة تشتغل بالفعل، لا بالضجيج؛ تحمي مواطنيها، لا تقمعهم؛ وتبني شرعيتها على الإنجاز لا على التخويف. في زمن تسقط فيه أقنعة كثيرة، يثبت المغرب أن الاستقرار لا يُمنح، بل يُصنع، وأن السيادة لا تُعلن، بل تُمارس.
«ذلك هو المغرب: دولةٌ حين تُختبر تختار الإنسان، وملكٌ حين يحكم يجعل من الإحساس بمعاناة شعبه بوصلة القرار، ومن الفعل الميداني جوهر القيادة.»






