
يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام واحدة من أكثر محطاته التنظيمية حساسية، في ظل انعقاد مجلسه الوطني في سياق سياسي مشحون، يضع مستقبل عزيز أخنوش على رأس الحزب تحت مجهر غير مسبوق، ويعيد طرح سؤال الزعامة بقوة مع اقتراب المؤتمر الوطني المرتقب في شهر مارس المقبل.
المحطة التنظيمية الحالية لا يمكن فصلها عن اقتراب نهاية الولاية الثانية لأخنوش، وهي ولاية مقيّدة بنص القانون الأساسي للحزب الذي يمنع أي تمديد إضافي. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في نهاية الولاية، بل في ثقل التجربة الحكومية التي راكمها الرجل، وما خلّفته من ارتدادات سياسية وشعبية بات الحزب يؤدي ثمنها داخلياً وخارجياً.
داخل أروقة “الحمامة”، يدور نقاش سري ومغلق حول مرحلة ما بعد أخنوش، نقاش يظل محصوراً داخل الصف الأول، في وقت تُقصى فيه باقي الهياكل والمنتخبين والتنظيمات الموازية من أي تداول ديمقراطي حقيقي. أسئلة كثيرة تُطرح همساً: من سيقود الحزب؟ هل سيكون الخليفة من داخل المكتب السياسي؟ أم أن الحزب ينتظر إشارة من خارج بنيته التنظيمية؟
هذا الصمت التنظيمي لا يخلو من دلالات. فإلى حدود الساعة، لا مؤشرات واضحة على التحضير الجدي للمؤتمر الوطني المقبل، ولا نقاش علني حول التداول على القيادة، ما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، أخطرها محاولة الالتفاف على القانون الداخلي عبر تعديلات محتملة تُفصّل على مقاس الاستمرارية.
غير أن واقع الحال داخل الحزب يكشف حقيقة أعمق: أخنوش لم يعد ورقة رابحة كما كان يُسوَّق سابقاً. فالتجربة الحكومية، بما حملته من قرارات اجتماعية قاسية واحتقان واسع وغلاء غير مسبوق، أضعفت رصيد الرجل سياسياً، وحوّلت اسمه إلى عنوان للانتقاد بدل أن يكون رمزاً للثقة.
ورغم ذلك، ما زالت أصوات داخل الحزب ترفع منسوب “الولاء الأعمى”، في مشهد يكرّس صورة حزب يُدار بمنطق الطاعة لا بمنطق المحاسبة، حيث يتم الدفاع عن القيادة أكثر مما يتم الدفاع عن المواطن والناخب. حزب يتجنب النقاش السياسي الداخلي، ويُحاصر الاختلاف، ويمنع حتى الإعلاميين المحسوبين عليه من الخوض في شؤون القيادة.
الحديث عن رحيل أخنوش بتعليمات عليا لم يعد مجرد إشاعة هامشية، بل صار جزءاً من التداول غير المعلن داخل دوائر القرار الحزبي، خاصة في ظل تراجع الأداء الحكومي وصعوبة تسويق استمرار نفس القيادة في أفق الاستحقاقات المقبلة.
حزب التجمع الوطني للأحرار اليوم أمام مفترق طرق حقيقي:
إما احترام قواعده الداخلية وفتح صفحة جديدة بقيادة مختلفة،
أو الإصرار على إعادة إنتاج نفس النموذج، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تنظيمية وسياسية قد تُدخل الحزب في أزمة شرعية صامتة.
ما بعد مارس لن يكون تفصيلاً عابراً.
فإما أن يختار الحزب التجديد الحقيقي،
أو يستمر في إدارة الزمن الضائع، منتظراً قراراً لا يُتخذ داخله.
وفي الحالتين، يبقى المؤكد أن مرحلة أخنوش لم تعد مريحة للحزب كما كانت، وأن كلفة البقاء قد تصبح أعلى من كلفة الرحيل.






