سياسة

تحليل إخباري : استراتيجية “التطهير القسري” في فاس.. قرارات الوالي خالد أيت طالب تُشعل مرحلة ما بعد كارثة المسيرة

 تعيش مدينة فاس، العاصمة العلمية للمملكة، على وقع مرحلة مفصلية غير مسبوقة. فبعد الكارثة المروعة التي شهدها حي المسيرة في مقاطعة زواغة، وأسفرت عن مقتل 22 مواطناً وإصابة 16 آخرين، أصبح واضحاً أن ما قبل الفاجعة ليس كما بعدها. هذا الحدث الأليم، الذي وصفه المحللون بـ**”ليلة الرعب”**، كشف عن عيوب هيكلية خطيرة في منظومة التعمير التي تراكمت لكثر من أربعون سنة، ووضع والي جهة فاس-مكناس،  خالد أيت طالب، أمام مسؤولية تاريخية لاتخاذ قرارات “استئصالية” تهدف إلى وقف نزيف الأرواح وإعادة فرض هيبة القانون في وجه الفوضى التي دامت لسنوات.

لقد تحولت توجيهات عليا، صدرت مباشرة بعد الحادث، إلى خطة عمل عاجلة ومنسقة تهدف إلى محاصرة الفساد الذي حول مباني المدينة إلى “بيوت قاتلة”.

I. الجذور العميقة للأزمة: من “القضاء على الصفيح” إلى “خزان الفساد”

إن فاجعة حي المسيرة ليست قدراً نزل فجأة، بل هي نتاج تراكم لـخروقات صامتة وممنهجة بدأت جذورها منذ انطلاق برامج القضاء على السكن الصفيحي في المنطقة. الهدف النبيل للدولة (القضاء على الصفيح) تم اختطافه وتحويله إلى سوق سوداء بفضل مجموعة من العوامل المتشابكة:

  • التسييس الانتخابي المفسد: شكلت أحياء مثل المسيرة والـ 45 وسيدي بوجيدة “خزاناً انتخابياً” للنخب المتعاقبة (من حزب الاستقلال إلى العدالة والتنمية و التجمع الوطني للأحرار)، حيث كان الوعد الضمني بـ**”خلق القانون”** ومنح الامتيازات غير المستحقة هو الثمن لكسب الأصوات. هذا التواطؤ السياسي ساهم في تسريع وتيرة البروجة (البناء بدون ترخيص) و”بيع الهواء”.

  • لوبيات العقار و”تجار البلونشات”: استغل هؤلاء اللوبيات حاجة المستفيدين (الذين لم يكن لديهم المال الكافي للبناء)، حيث كانوا يقومون ببناء طابقين أو ثلاثة بجودة رديئة جداً، ومن ثم بيع الطوابق الإضافية بشكل غير قانوني (“الهواء”)، دون الالتزام بأي معايير هندسية أو سلامة لينتهي البناء بعمارات شاهقة أو ناطحة “التيتانيك”.

  • صمت رجال السلطة والمصالح التقنية: لم تكن هذه الخروقات لتتم لولا “تواطؤ جهات تملك سلطة المراقبة”، بدءاً من أعوان السلطة (المقدم، الشيخ، القائد) الذين أثارت ثرواتهم الفاحشة الشبهات، وصولاً إلى مسؤولي أقسام التعمير في الجماعات والوكالات الحضرية، الذين سمح صمتهم أو تدخلهم بـتثبيت خرق قانون التعمير.

II. استراتيجية “التطهير القسري”: الهدم المقترن بالمسؤولية

في مواجهة هذا التعقيد،  الوالي خالد أيت طالب مطالب بإتخاذ قرارات جريئة، من خلال ” لإيواء المتضررين،  مع إجراءات حاسمة تجسدت في خطة استئصالية تتجاوز مرحلة الترقيع:

1. خيار الهدم والتعويض المباشر

تدرس وزارة الداخلية والسلطات المحلية بجدية سيناريو الهدم الواسع النطاق للمباني التي أظهر الافتحاص التقني عدم قدرتها على الصمود، خاصة تلك التي تم إضافة طوابق لها على أسس غير صالحة. ولضمان عدم تحويل هذا القرار إلى مأساة اجتماعية جديدة، سيتم:

  • توزيع شقق مبنية جاهزة: بدلاً من تكرار خطأ توزيع البقع الأرضية، سيتم تفعيل الاستفادة من برامج دعم السكن لتمكين المتضررين من شقق مبنية جاهزة ومطابقة للمعايير، مما يقطع الطريق أمام لوبيات البناء العشوائي التي تستغل حاجة المواطن.

2. فرض الرقابة الصارمة على الخدمات الأساسية

يتمثل أحد أبرز محاور التحقيق والافتحاص في رخص الماء والكهرباء. فالتحقيقات الأولية التي أجرتها الفرقة الجهوية للشرطة القضائية ركزت بشكل كبير على الجهات التي منحت تراخيص الماء والكهرباء لبنايات مخالفة للقانون، أو التي سمحت لـ**”مول ليطاج الأول”** بتمرير الماء والضوء إلى الطوابق العشوائية الأخرى. هذا يؤكد ضرورة فصل التعمير عن التسييس والصرامة مع وكالات الخدمات الجديدة (التابعة للجماعات) لتجنب منح التراخيص لبنايات غير مرخصة.

III. الدروس والمساءلة: المحاسبة كشرط للإصلاح

إن كارثة المسيرة يجب أن تصبح “درساً قضائياً” للجميع. فالخسائر هنا ليست مادية فقط، بل هي خسارة في أرواح المواطنين، وفي “صورة الدولة” التي تضررت عالمياً.

يتطلب الإصلاح الجذري خطوات حاسمة:

  • تسريع التحقيق وتحديد المسؤوليات: يجب على القضاء تسريع التحقيق وترتيب المسؤوليات والعقاب، ليس فقط في حق المتهمين بارتكاب الجريمة، بل في حق كل من تهاون وصمت وتواطأ لسنوات (من رؤساء المجالس السابقين والحاليين إلى المهندسين والتقنيين).

  • التحقيق مع المواطن المخالف: لابد من فتح تحقيق مع المواطنين الذين خرقوا قانون التعمير لمعرفة “خيوط الفساد” كاملة، وتحديد من قدم لهم الهدايا والامتيازات غير المشروعة.

  • الإحصاء والوقاية الاستباقية: يجب القيام بـدراسة تقنية شاملة للمناطق المهددة (مثل الـ 45، وعوينة الحجاج و المسيرة ) لتحديد المنازل التي لا توجد بها مؤشرات خارجية للانهيار ولكنها بنيت بطريقة رديئة، واتخاذ تدابير وقائية قبل وقوع الكارثة.

 إن ما تشهده فاس هو صراع بين سلطة القانون ووباء الفساد التعميري. وبدعم من التوجيهات الملكية التي كان دائما يذكرها في خطبه من أجل توفير السكن الائق، فإن الوالي خالد أيت طالب مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، للضرب بيد من حديد ومواصلة خطة التطهير القسري، لضمان أن تكون هذه الفاجعة نقطة نهاية حقيقية للفوضى التعميرية في المغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى