قضايا

وزراء سابقون ومكاتب الدراسات: تضارب المصالح يضرب الأخلاق العامة واستغلال لـ «أسرار الدولة»

تشهد الساحة العامة تزايداً ملحوظاً في ظاهرة تأسيس وزراء سابقين لمكاتب دراسات واستشارات مباشرة بعد مغادرتهم لمناصبهم الحكومية. ورغم أن هذا الانتقال لا يعد مخالفاً للقانون صراحة في كثير من الأحيان، إلا أنه يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ تضارب المصالح واستغلال المعلومات والشبكات التي أُتيحت لهم بحكم مسؤولياتهم العمومية. ويشير مراقبون إلى أن هذه المكاتب باتت تستفيد من عقود وصفقات تجارية ضخمة، مستثمرةً بذلك في علاقاتها المتينة مع كبار المسؤولين في مختلف القطاعات العمومية والخاصة.

يعتمد نجاح مكاتب الدراسات المملوكة لوزراء سابقين على ركائز تتجاوز المنافسة الشفافة، أبرزها:

المعلومات غير المتاحة: يستغل الوزير السابق المعرفة العميقة بملفات القطاع الذي كان يشرف عليه، بما في ذلك معلومات استراتيجية وسرية حول المشاريع المستقبلية، وآليات اتخاذ القرار، ونقاط الضعف التي يمكن أن تكون مفتاحاً للفوز بالعقود.

النفوذ المباشر في الصفقات: رُصدت حالات حصل فيها وزير سابق على صفقة ذات قيمة مالية كبيرة من مؤسسة عمومية كانت تحت وصايته المباشرة عندما كان مسؤولاً حكومياً. وقد تمكن من التفوق على منافسين دوليين عبر استغلال معرفته الداخلية ببنية المؤسسة واحتياجاتها، مما يضع نزاهة عملية إسناد الصفقات محل شك.

الوساطة وتسهيل الإجراءات: تحولت بعض هذه المكاتب من مهام الاستشارات إلى دور “السمسرة” أو الوساطة لحل ملفات ظلت عالقة في القطاعات التي سبق للوزير إدارتها. ويتم ذلك من خلال توظيف علاقاته الشخصية مع المسؤولين الحاليين، أو استغلال إمكانيته في التواصل المباشر مع موظفين كانوا يعملون تحت إمرته لتسهيل الحصول على تراخيص حساسة (مثل رخص المقالع أو تفويت عقارات عمومية).

تكمن الخطورة الكبرى لهذه الظاهرة في بعدها الأخلاقي، حيث يُنظر إليها على أنها خرق لـ “واجب التحفظ وكتمان الأسرار المهنية” الذي يلتزم به المسؤول العمومي حتى بعد مغادرته لمنصبه. إن استثمار هذه الأسرار، التي هي ملك للدولة والمجتمع، في مشاريع تجارية شخصية يشكل خرقاً لمبادئ النزاهة والحياد.

ويؤكد تقرير صادر عن المجلس الأعلى للحسابات (المغرب) على وجود اختلالات خطيرة في صفقات إنجاز الدراسات الممنوحة للجماعات الترابية والقطاعات الوزارية، حيث أشار إلى انتشار ظاهرة “الدراسات الورقية” أو “المستنسخة”، مما يثبت أن هذه العقود قد تكون في بعض الأحيان ستاراً لهدر المال العام وتمرير مصالح خاصة.

إن استمرار الفراغ التشريعي الذي لا يضع قيوداً واضحة على الانتقال المباشر للوزراء وكبار المسؤولين إلى القطاع الخاص في مجالات عملهم السابقة، يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ويفقد المواطن ثقته في نزاهة القرار العمومي.

يقتضي الأمر اتخاذ إجراءات فورية، تتصدرها سن إطار تشريعي صارم لمكافحة تضارب المصالح، يفرض “فترة تبريد” (Cooling-off Period) إلزامية تمنع المسؤولين السابقين من التعاقد أو ممارسة أنشطة ذات صلة مباشرة بقطاعاتهم السابقة لمدة زمنية كافية. إن تعزيز معايير الحكامة الرشيدة والأخلاق العامة لم يعد خياراً، بل هو ضرورة للحفاظ على مصداقية المؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى