اقتصاد

مالية 2027 تدخل سباق الزمن.. مشروع الميزانية يصطدم بانتقال حكومي بعد انتخابات 23 شتنبر

دخل إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة حاسمة، في وقت يتزامن فيه المسار المالي مع الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وما قد يترتب عنها من انتقال حكومي وإعادة ترتيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية. وبينما تواصل الإدارة المالية إعداد المشروع وفق المساطر القانونية، يبرز موعد 20 أكتوبر كأحد أهم المواعيد التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.

وبحسب المعطيات الرسمية لوزارة الاقتصاد والمالية، فقد قدمت الوزيرة نادية فتاح يوم 22 يوليوز 2026 أمام لجنتي المالية بمجلسي البرلمان عرضا حول تنفيذ ميزانية 2026 والإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 والبرمجة الميزانياتية للسنوات 2027-2029. كما نشرت الوزارة في 12 غشت المذكرة التوجيهية الخاصة بإعداد مشروع مالية 2027، فيما أصبح تقرير تنفيذ الميزانية والتأطير الماكرو-اقتصادي الثلاثي المرتبط بالمشروع متاحا في شتنبر الجاري.

وتضع المذكرة التوجيهية أربع أولويات كبرى أمام إعداد مالية السنة المقبلة، تتمثل في توطيد المكتسبات الاقتصادية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومواصلة ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى والحفاظ على توازنات المالية العمومية. وتكشف هذه التوجهات أن الإدارة المالية شرعت فعليا في بناء الإطار العام للمشروع قبل معرفة ملامح الأغلبية الحكومية التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر.

غير أن الإشكال الأساسي لا يرتبط بإعداد المشروع فقط، وإنما بالتوقيت الدستوري والقانوني لإيداعه. فالمادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية تنص على إيداع مشروع قانون المالية للسنة بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير.

وهنا يبرز سيناريو انتقال السلطة التنفيذية. فإذا تمكنت الحكومة الجديدة من التشكل في وقت مبكر، فإنها تستطيع استكمال المسار الذي تكون الإدارة قد قطعته، بما في ذلك مراجعة الاختيارات والتوجهات وفق برنامجها الحكومي، ثم استكمال المسطرة القانونية للمشروع.

أما إذا طال أمد المشاورات السياسية وتأخر تشكيل الحكومة الجديدة إلى ما بعد الأجل القانوني لإيداع مشروع المالية، فإن الوضع يصبح أكثر تعقيدا، خصوصا إذا دخلت الحكومة الحالية في وضعية تصريف الأعمال. وفي هذه الحالة تطرح مسألة حدود الاختصاصات التي يمكن للحكومة المنتهية ولايتها مباشرتها، مقابل ضرورة احترام الآجال القانونية وضمان استمرارية المالية العمومية.

وتقدم تجربة سنة 2022 نموذجا مختلفا. فقد بدأت الحكومة السابقة في يوليوز 2021 إعداد الإطار العام لمشروع قانون المالية لسنة 2022، قبل انتخابات 8 شتنبر، ثم استكملت الحكومة الجديدة برئاسة عزيز أخنوش المسار بعد تشكيلها، وقدمت وزيرة الاقتصاد والمالية الخطوط العريضة للمشروع في مجلس الحكومة يوم 16 أكتوبر 2021، قبل أن يخضع للمسار المؤسساتي اللاحق.

أما تجربة مالية 2017، فتكتسي أهمية أكبر بالنسبة إلى النقاش الحالي، لأن مشروع القانون كان قد قطع شوطا متقدما قبل انتخابات 7 أكتوبر 2016. فقد صادق المجلس الوزاري على التوجهات العامة في 26 شتنبر، ثم صادق مجلس الحكومة على المشروع في 4 أكتوبر، ليتم إيداعه لدى مجلس النواب في 6 أكتوبر، أي قبل الانتخابات وقبل الأجل القانوني المحدد في 20 أكتوبر.

لكن تعثر تشكيل الحكومة آنذاك حال دون استكمال المصادقة على قانون المالية قبل نهاية سنة 2016، وهو ما استدعى اللجوء إلى آلية مؤقتة لضمان استمرار عمل المرافق العمومية وتدبير المداخيل والنفقات في انتظار دخول قانون المالية الجديد حيز التنفيذ. وتؤكد المادة 50 من القانون التنظيمي للمالية وجود هذه الآلية، من خلال فتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية عندما لا يتم التصويت على قانون المالية قبل نهاية السنة.

وتمنح هذه السوابق المالية للمغرب صورة واضحة عن كيفية التعامل مع التداخل بين الانتقال الحكومي والاستحقاقات المالية للدولة: فالإدارة لا تتوقف عن إعداد الميزانية بسبب الانتخابات، والحكومة الجديدة لا تبدأ بالضرورة من الصفر، بينما تظل الآجال القانونية والالتزامات المالية للدولة قائمة مهما تغيرت الأغلبية الحكومية.

وبالنسبة إلى مالية 2027، فإن الرهان لا يقتصر على احترام موعد 20 أكتوبر، بل يمتد إلى طبيعة الاختيارات التي ستتضمنها الميزانية المقبلة، ومدى انسجامها مع البرنامج الحكومي الذي سيخرج من الانتخابات التشريعية، خصوصا في ملفات الاستثمار العمومي، والدولة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، والإصلاحات الهيكلية، والحفاظ على التوازنات المالية.

وهكذا تجد الإدارة المالية نفسها أمام سباق مزدوج: مواصلة الإعداد التقني لمشروع قانون المالية وفق الآجال القانونية، وترك المجال أمام الحكومة التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر لتحديد اختياراتها السياسية والاقتصادية، دون أن يؤدي الانتقال الحكومي إلى تعطيل السير العادي للمرافق العمومية أو إرباك التدبير المالي للدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى