سلسلة “رمضانيات سياسية” | فاس على صفيح الانتخابات 2026 الحلقة الأولى: التجمع الوطني للأحرار… من ذروة 2021 إلى اختبار البقاء

سلسلة “رمضانيات سياسية” من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
في هذه السلسلة الرمضانية الخاصة، نفتح ملفات الأحزاب السياسية بمدينة فاس بجرأة تحليلية وقراءة نقدية هادئة، بعيداً عن الاصطفاف أو المجاملة. نبدأ بالحزب الذي تصدّر نتائج 2021 محلياً ووطنياً، أي حزب التجمع الوطني للأحرار، باعتباره الفاعل الأول الذي أمسك بمفاتيح القرار الجماعي والمهني والبرلماني بالمدينة وأحوازها، وبالتالي يتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية السياسية عن حصيلة المرحلة.
فاس ليست مدينة عادية في الحسابات الانتخابية. هي مختبر وطني للتحولات،”وتيرموميتر الأحزاب” ومرآة المزاج السياسي، والمدينة التي تمنح الشرعية الرمزية كما تسحبها بلا تردد. سؤالنا المركزي واضح وصريح: هل يحافظ الأحرار على زخمهم الانتخابي في فاس، أم أن المدينة تُحضّر لمفاجأة سياسية جديدة؟
2021: الاكتساح الذي أعاد تشكيل الخريطة
في 8 شتنبر 2021، حقق الأحرار بفاس نتائج غير مسبوقة: رئاسة مجلس المدينة، مجلس العمالة، غرفة التجارة والصناعة والخدمات، وترؤس جماعات أحواز فاس الثلاث (أولاد الطيب، عين البيضا، سيدي احرازم)، إضافة إلى تمثيلية برلمانية وازنة. كانت موجة صعود وطني تُترجم محلياً بخطاب “الكفاءة والفعالية” والقطيعة مع أعطاب الماضي.
لكن السياسة ليست لحظة انتصار عابرة؛ إنها حصيلة تتراكم يومياً في تفاصيل الحياة: طرق تُصلّح أو تُترك، مرافق تُؤهَّل أو تتدهور، نظافة تُحترم أو تُهمل، ووعود تتحول إلى مشاريع أو تبقى شعارات. وبين 2021 و2026، تبدّل السياق وتغيرت المزاجات.
2026: حصيلة باهتة… وغضب يتراكم بصمت
بعد سنوات من التدبير، تبدو حصيلة المجلس الجماعي و المنتخبين الذين مثلوا الحزب بفاس—في نظر فاعلين مدنيين ومتابعين—أقل من سقف التوقعات. اختلالات في البنية التحتية، تعثر في مشاريع، شكاوى متكررة حول خدمات أساسية، وغياب سردية إنجاز مقنعة للساكنة. فاس، بتاريخها ورمزيتها، لا تقبل إدارةً “بالحد الأدنى”.
الأخطر من النقد العلني هو “الإحباط الصامت”. هذا النوع من الغضب لا يملأ الشوارع، لكنه يملأ صناديق الاقتراع. ومع استمرار الضغط المعيشي وارتفاع كلفة الحياة، يصبح إقناع الناخب بخطاب الأرقام الوطنية مهمة صعبة إذا لم يلمس أثراً محلياً مباشراً.
الضربات الداخلية: عندما تُرهق الصورة
عرفت المرحلة هزات داخلية أثّرت في صورة الحزب محلياً، بعد متابعات قضائية وأحكام في حق بعض المنتخبين. المسؤولية الجنائية فردية بحكم القانون، لكن الكلفة السياسية جماعية بحكم الصورة. تكرار الأزمات يُضعف الثقة ويُربك التنظيم ويغذي صراعات الزعامة المحلية، ويجعل الحزب في وضع دفاعي دائم بدل المبادرة.
الناخب الفاسي لا يفصل بسهولة بين الشخص والحزب عندما تتكرر الوقائع. وفي مدينة تُجيد قراءة التفاصيل، تتحول كل أزمة إلى اختبار جديد للمصداقية.
بين مطرقة الشارع وسندان الصراعات
يقف الأحرار بفاس اليوم بين ضغطين متوازيين: ضغط شعبي مرتبط بالحصيلة اليومية، وضغط تنظيمي ناتج عن انقسامات حول القرار والتزكيات وتوزيع المسؤوليات. في هذا السياق، تتضاعف مسؤولية القيادة الوطنية، وعلى رأسها محمد شوكي، لإعادة ترتيب البيت الفاسي دون خسارة توازناته.
الزمن السياسي يضيق. وأي تأجيل لقرارات حاسمة قد يبدد ما تبقى من رصيد 2021.
الجراحة التنظيمية: من التجميل إلى التغيير الحقيقي
إذا أراد الحزب الحفاظ على موقعه، فالمطلوب ليس “رتوشاً” تنظيمية، بل جراحة عميقة. إعادة بناء الثقة تبدأ من الداخل:
أولاً: وجوه جديدة ذات مصداقية سياسية.
المصداقية ليست قدرة على الحشد الانتخابي فحسب، بل تاريخ واضح في العمل العام، ومواقف معلنة، وقرب دائم من قضايا الناس. فاس لا تمنح ثقتها لمن يطلّ عليها موسمياً. تحتاج إلى نخب تعرف أحياءها، وتستمع لنبضها، وتخاطبها بصدق لا ببلاغة إنشائية،ولا بأشخاص يبحثون عن مصالحهم الخاصة.
ثانياً: كفاءات مجرَّبة في التأطير والتدبير.
تدبير مدينة بحجم فاس يتطلب خبرة تقنية في التخطيط والمالية والحكامة، لا مجرد حضور سياسي. الحزب بحاجة إلى فريق يفهم التعقيد الإداري والمالي، ويحوّل البرامج إلى نتائج قابلة للقياس. كما أن التأطير الحزبي المستمر—في الأحياء والقطاعات المهنية—هو صمام أمان ضد التحول إلى جهاز انتخابي موسمي.
ثالثاً: شخصيات نظيفة السيرة تعيد بناء الثقة.
الثقة تُبنى ببطء وتنهار بسرعة. اختيار المرشحين وفق معايير صارمة في النزاهة والشفافية ليس ترفاً أخلاقياً، بل شرط بقاء سياسي. أي تهاون في هذا الباب سيُقرأ كرسالة سلبية من حزب يفترض أنه تعلّم من أخطاء المرحلة.
فاس… الرهان الوطني
فاس ليست مجرد دائرة محلية؛ إنها مؤشر وطني. الفوز بها يمنح زخماً رمزياً يتجاوز الجغرافيا. وخسارتها أو التراجع فيها يبعث إشارات قوية لباقي الجهات. لذلك فإن معركة 2026 هنا ستكون مضاعفة: معركة صورة، ومعركة ثقة.
صحيح أن بعض المنافسين يعيشون بدورهم هشاشة تنظيمية، وقد يستفيد الأحرار من “فراغ نسبي” في حال فشل الآخرين في تقديم بديل مقنع. لكن التعويل على ضعف الخصوم لا يصنع مشروعاً مستداماً. الناخب يبحث عن رؤية، لا عن مقارنة بين درجات الضعف.
سيناريوهات 2026: قراءة واقعية
-
الاستمرار المشروط:
قرارات شجاعة بالتجديد، ضخ دماء جديدة، خطاب اعتراف بالأخطاء، وإنجازات ملموسة قبل موعد الاقتراع. في هذا السيناريو، يحافظ الحزب على كتلة وازنة. -
التراجع التدريجي:
تأجيل الإصلاح الداخلي، والإبقاء على نفس الوجوه، وخطاب دفاعي. النتيجة: خسارة مواقع أساسية مع بقاء تمثيلية محدودة. -
السقوط الرمزي:
استمرار الصراعات وتآكل الثقة، ما يدفع الناخب إلى “تصويت عقابي” يعيد رسم الخريطة.
ماذا تبقى من وعود 2021؟
السؤال الذي سيلاحق الأحرار في فاس ليس عن النوايا، بل عن النتائج: ماذا تغيّر في حياة الناس؟ ما المشاريع التي خرجت من الورق إلى الواقع؟ ما المؤشرات التي تُقنع المواطن بأن المرحلة تستحق التجديد؟
إن لم تُقدَّم إجابات واضحة ومدعومة بأرقام محلية ملموسة، سيبقى خطاب الإنجازات الوطنية بعيداً عن يوميات الفاسيين.
امتحان الشجاعة
السياسة عقد ثقة متجدد. والأحرار بفاس أمام امتحان شجاعة:
إما فتح ورش إصلاح داخلي حقيقي، يقدّم وجوهاً ذات مصداقية، وكفاءات مجرَّبة، وشخصيات نظيفة السيرة تعيد بناء الجسور مع الساكنة؛
أو الاستمرار في إنكار الواقع، بما يعنيه ذلك من مخاطر تراجع قد يغيّر موازين القوى في مدينة اعتادت أن تقول كلمتها بوضوح.
في هذه السلسلة الرمضانية، سنواصل تشريح بقية الأحزاب بفاس، قراءةً في رهاناتها وتحالفاتها المحتملة. أما اليوم، فالكلمة الأولى كانت للأحرار: من ذروة 2021 إلى امتحان البقاء في 2026… والقرار، في النهاية، بيد فاس.






