سياسة

خطاب جلالة الملك عن ‘القيامة السياسية’ يتحقق مع حكومة أخنوش: هل أصبح الواقع أسوأ من التوقعات؟

منذ سنوات أصبح السؤال الذي يُطرح بمرارة في الشارع المغربي يتجاوز مجرد السخرية ليصبح سؤالًا حقيقيًا: “هل هناك حكومة فعلًا؟”. هذا السؤال يعكس حالة من الإحباط العميق التي يشعر بها المواطنون في ظل عدم وضوح الدور الفعلي للمؤسسات السياسية في حياتهم اليومية. فقد تحولت السياسة في البلاد إلى مشهد من الفوضى، يعكس حالة من التناقض واللامسؤولية التي باتت تتجسد بشكل واضح في حكومة عزيز أخنوش. اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يبدو أن الخطاب الملكي في 30 يوليو 2016 عن “القيامة السياسية” يعكس واقعًا مؤلمًا في ظل حالة الانفصام التي تعيشها الحكومة.

منذ أن دخلت الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية في ساحة السياسة، أصبح المواطن يتساءل: هل نحن أمام حكومة أم مجرد أداة تنقل للآخرين المسؤوليات دون أن تتخذ خطوات حقيقية؟ فالأحزاب التي يفترض أن تشكل قوة موحدة تتنازع على أكثر من جبهة، من الصراع الداخلي على السلطة إلى التماهي مع الاحتجاجات الشعبية. وزير هنا، وقائد حزب هناك، لا يقدمون أي إجابة شافية لتحديات مثل الغلاء أو ارتفاع الأسعار أو غياب آليات المحاسبة. كلما واجهت الحكومة أزمة، تجد نفسها في مواجهة مشهد سياسي يتنازع فيه الجميع حول من هو المسؤول. وكل طرف ينتظر “تدخل الحكومة” وكأنها كائن غريب لا علاقة له بالمجريات اليومية للبلاد.

هذه الفوضى السياسية التي يشهدها المواطن ليست مجرد مواقف عابرة، بل هي نتيجة حتمية لغياب التنسيق والانسجام بين الأحزاب المتنفذة. تجد البلاغات الحكومية تتنقل من انتقاد للتجار والمضاربين إلى الدعوات لاقتراح حلول وقرارات تبقى دائمًا في إطار الكلام ولا ترى النور على أرض الواقع. في حين يظل المواطن البسيط يعاني من أزمات اقتصادية متزايدة، والحكومة تظل عالقة في دوامة من التصريحات دون أن تبذل أي جهد حقيقي لإصلاح الوضع.

في خطاب جلالة الملك محمد السادس في 30 يوليو 2016، كان جلالته قد لامس الحقيقة المرة عندما قال: “بمجرد اقتراب موعد الانتخابات، وكأنها القيامة، لا أحد يعرف الآخر. الجميع، حكومة وأحزابًا، مرشحين وناخبين، يفقدون صوابهم”. تلك الكلمات كانت بمثابة تحذير صريح من الفوضى التي قد ترافق العملية السياسية في البلاد. واليوم، وبعد سنوات من ذلك الخطاب، نرى أن هذا التحذير قد تجسد واقعًا نعيشه بمرارة. فالمشهد السياسي اليوم يشبه تمامًا ما حذر منه الملك: صراعات داخل الحكومة، تصدعات بين الأحزاب، وأزمة ثقة متفاقمة بين المواطنين والمؤسسات.

ما يزيد الطين بلة هو أن أحزاب الأغلبية التي يفترض أن تدافع عن حصيلة عملها السياسي تجد نفسها تتهرب من مسؤولياتها، وتنتقل من موقف إلى آخر، تبدي ضعفًا أمام التحديات الحقيقية التي يواجهها المواطن. كأنهم جميعًا في انتظار “تدخل الحكومة”، ولكن دون أن تكون هناك أي قدرة فعلية على اتخاذ القرار أو تفعيل الإصلاحات المطلوبة. المواطن الذي خرج في يوم من الأيام يطالب بالعدالة الاجتماعية والشفافية، يجد نفسه اليوم أمام حكومة عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لأبسط القضايا اليومية.

خطاب اجلالة لملك في تلك اللحظة كان بمثابة نداء لإصلاح عميق في النظام السياسي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. إذ إن الملك حذر من أن بعض الممارسات السياسية “تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي”، مؤكدًا أن بعض الأطراف تحاول كسب أصوات الناخبين عبر تصريحات وشعارات لا تمت إلى الواقع بصلة. هذا التحذير الملكي يبدو اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، حيث لم تعد هذه الممارسات مجرد تصريحات سياسية، بل أصبحت هي السمة السائدة في التعامل مع الأزمات في البلاد.

في خضم هذه الفوضى، تتضح الحاجة الماسة للإصلاحات التي تحدث عنهاجلالة الملك، والإرادة السياسية لتقوية المؤسسات التي يجب أن تكون قادرة على تقديم الحلول الحقيقية بعيدًا عن التجاذبات السياسية. الإصلاحات التي كانت تلوح في الأفق تتطلب من جميع الأطراف أن تتحمل مسؤولياتها، وأن تُترجم الأقوال إلى أفعال حقيقية. فالنظام السياسي يجب أن يضمن المساءلة والمحاسبة، وأن تكون الحكومة قوية بما فيه الكفاية لتقديم استراتيجيات حقيقية لمواجهة الأزمات،لاحكومة الشعارات و البلاغات الخاوية على عروشها.

الوقت الآن مناسب للانتقال إلى لحظة الإصلاح التي طالما تأخرنا في تحقيقها. الخطاب الملكي كان دعوة واضحة لكل القوى السياسية لتحمل مسؤولياتها والانتقال من مرحلة الكلمات إلى مرحلة العمل الفعلي. إن تفعيل إصلاحات حقيقية في النظام السياسي المغربي بات ضرورة ملحة، لتكون لدينا حكومة قادرة على إدارة شؤون البلاد وتلبية تطلعات الشعب.

المعركة اليوم ليست بين الأحزاب أو بين الحكومة والمعارضة، بل هي معركة لبناء الثقة المفقودة بين المواطنين ومؤسساتهم. فهل ستستجيب القوى السياسية لهذه الدعوة الإصلاحية؟ أم أن الواقع سيظل كما هو، مشهدًا مليئًا بالتناقضات والأزمات التي تظل الحكومة عاجزة عن معالجتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى