انتخابات 23 شتنبر تدخل مرحلة الحسم.. إيداع الترشيحات يتواصل بفاس-مكناس و«الهدوء الانتخابي» يخفي مواجهة حارقة

الأحزاب تضع آخر اللمسات على لوائحها.. والتحالف الحكومي في مواجهة مباشرة مع المعارضة على امتداد دوائر الجهة
دخلت الانتخابات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 مرحلة جديدة، مع استمرار عملية إيداع التصريحات بالترشيح على مستوى ولاية جهة فاس-مكناس ومختلف عمالات وأقاليم المملكة، في محطة تؤشر على الانتقال من مرحلة التزكيات والصراعات الداخلية إلى مرحلة المواجهة الانتخابية المفتوحة.
وكانت وزارة الداخلية قد حددت الفترة الخاصة بإيداع الترشيحات ابتداء من الساعة الثامنة صباحاً ليوم 31 غشت، إلى غاية الثانية عشرة زوالاً من 9 شتنبر، فيما تتم العملية على مرحلتين، تبدأ إلكترونياً عبر المنصة المخصصة لذلك، قبل إيداع الملف الأصلي لدى السلطات المختصة وفق الآجال المحددة.
وعلى مستوى جهة فاس-مكناس، التي تضم عمالة فاس وعمالة مكناس وأقاليم تاونات وتازة وصفرو ومولاي يعقوب وبولمان والحاجب وإفران، تتجه الأنظار إلى عدد من الدوائر التي ينتظر أن تتحول إلى ساحات انتخابية شديدة التنافس، بالنظر إلى ثقلها السكاني والسياسي وتعدد الأسماء التي دخلت مبكراً على خط السباق.
فاس ومكناس.. واجهة المعركة
وتبدو دائرتا فاس الشمالية وفاس الجنوبية من أبرز واجهات المنافسة، في ظل استعداد الأحزاب لدخول السباق بأسماء وازنة، بينما بدأت معالم الخريطة الانتخابية تتضح تدريجياً مع إعلان عدد من التنظيمات عن مرشحيها ووكلاء لوائحها. كما تعرف مكناس بدورها تعبئة سياسية متزايدة، بعدما بدأت أسماء المرشحين في الظهور بشكل أكثر وضوحاً، وسط منافسة على ستة مقاعد بالدائرة المحلية.
ولا تقتصر سخونة السباق على المدن الكبرى؛ فدوائر تاونات وتيسة، وبولمان، وتازة، وصفرو، والحاجب وإفران ومولاي يعقوب مرشحة بدورها لصراعات انتخابية مختلفة، تتداخل فيها قوة التنظيم الحزبي مع الحضور المحلي للمرشحين والامتداد العائلي والقبلي والقدرة على تعبئة الناخبين.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن جهة فاس-مكناس تتوفر على 47 مقعداً برلمانياً، منها 37 مقعداً محلياً و10 مقاعد جهوية، وهو ما يجعلها واحدة من أهم ساحات المعركة الانتخابية على المستوى الوطني.
هدوء في الشارع.. وغليان داخل الأحزاب
ورغم أن المشهد الانتخابي لا يبدو، إلى حدود الآن، صاخباً بالشكل الذي اعتاد عليه المغاربة في الأسابيع التي تسبق الانتخابات، فإن هذا الهدوء قد يكون خادعاً.
فالتحركات الحقيقية تجري داخل المقرات الحزبية، وفي اللقاءات التنظيمية، وبين المرشحين والمنتخبين والأعيان والفاعلين المحليين، حيث يجري بناء التحالفات الانتخابية وتعبئة شبكات الدعم استعداداً للحملة الرسمية.
والأكثر إثارة أن المعركة المقبلة لن تكون فقط بين حزب وحزب، وإنما ستأخذ في عدد من الدوائر شكل مواجهة سياسية بين أحزاب التحالف الحكومي الحالي وأحزاب المعارضة، مع اختلاف الحسابات من دائرة إلى أخرى.
فالأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، باعتبارها مكونات الأغلبية الحكومية الحالية، تدخل الاستحقاق وهي مطالبة بالدفاع عن حصيلتها ومواقعها، بينما تسعى أحزاب المعارضة، وعلى رأسها العدالة والتنمية وأحزاب أخرى، إلى تحويل الاقتراع إلى محطة لمحاسبة الأغلبية انتخابياً وسياسياً.
وقد بدأت بالفعل تظهر مؤشرات على احتدام المنافسة داخل الأغلبية نفسها، مع خلافات واستقطابات مرتبطة بالترشيحات والتحالفات المحلية، وهو ما يجعل بعض الدوائر مرشحة لمعركة مزدوجة: مواجهة المعارضة من جهة، وصراع النفوذ بين مكونات الأغلبية من جهة ثانية.
الترشيحات تكشف جزءاً من الخريطة
وتكتسي مرحلة إيداع الترشيحات أهمية خاصة لأنها ستضع حداً للكثير من التكهنات التي رافقت الأسابيع الماضية، وستكشف بشكل نهائي تقريباً عن الأسماء التي ستدخل السباق تحت الألوان الحزبية المختلفة.
وفي فاس-مكناس، ظهرت خلال الأيام الأخيرة مؤشرات على استمرار بعض التغييرات في أسماء المرشحين، فيما عرفت بعض الدوائر مفاجآت مرتبطة بالتزكيات وانسحابات أو تغييرات في آخر لحظة، وهو ما يؤكد أن الخريطة الانتخابية لم تكن مستقرة بالكامل حتى انطلاق مرحلة الإيداع.
وفي هذا السياق، فإن تجربة تاونات-تيسة تقدم مثالاً على حجم المفاجآت التي يمكن أن تطرأ حتى في اللحظات الأخيرة، بعدما عرف ترشيح حزب الاستقلال بالدائرة تطورات مرتبطة بتغيير أحد الأسماء المرشحة.
معركة على المقاعد.. ومعركة على صورة الحكومة
الانتخابات المقبلة لن تحدد فقط هوية 395 نائباً سيشكلون مجلس النواب الجديد، بل ستحدد أيضاً موازين القوى السياسية التي ستنتج عنها الحكومة المقبلة.
ولهذا فإن كل مقعد سيكون له ثمن سياسي، خصوصاً في الدوائر التي تبدو فيها المنافسة متقاربة بين عدة أحزاب.
وبالنسبة إلى الأغلبية الحالية، ستكون انتخابات 23 شتنبر بمثابة امتحان سياسي لحصيلتها خلال الولاية المنتهية، فيما تراهن المعارضة على استثمار القضايا الاجتماعية والاقتصادية والاحتقان المرتبط بعدد من الملفات لتحويل الانتخابات إلى تصويت عقابي ضد الحكومة.
لكن المعركة لن تكون سهلة على أي طرف، لأن الناخب المغربي لا يصوت بالضرورة وفق الاصطفاف الوطني نفسه في جميع الدوائر، بل تتدخل عوامل المرشح، والحضور المحلي، وشبكات التواصل الاجتماعي، والعمل الميداني، والقدرة على التعبئة، في تحديد النتيجة.
«انتخابات باردة» قد تنتهي بنتائج حارقة
وربما يكون أكبر خطأ في قراءة المشهد الحالي هو الاعتقاد بأن هدوء الشارع يعني برودة الانتخابات.
فكل المؤشرات المتوفرة حالياً توحي بأن الانتخابات قد تبدأ هادئة، لكنها مرشحة لأن تكون حارقة كلما اقترب موعد 23 شتنبر.
ومع انتهاء مرحلة الترشيحات ودخول الحملة الانتخابية الرسمية، ستخرج الصراعات من الكواليس إلى العلن، وستبدأ الأحزاب في استعراض قوتها التنظيمية، فيما سيسعى المرشحون إلى حسم المعركة في دوائرهم قبل يوم الاقتراع.
وبجهة فاس-مكناس تحديداً، يبدو أن المنافسة ستكون أكثر شراسة، لأن الرهان لا يتعلق فقط بعدد المقاعد، وإنما بموقع الجهة داخل الخريطة السياسية الوطنية، وبمن سيتمكن من انتزاع الصدارة في مدنها وأقاليمها.
وفي النهاية، ستظل كل الحسابات والتوقعات مجرد سيناريوهات إلى أن يقول الناخب كلمته في 23 شتنبر. فبين لوائح الأحزاب، وقوة المرشحين، وحسابات الأغلبية والمعارضة، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على إقناع الناخب بأن التصويت هذه المرة لن يكون مجرد اختيار لاسم، بل تحديداً للاتجاه الذي ستسلكه البلاد خلال المرحلة السياسية المقبلة.






