ميزانية 2027 ترفع تحويلات الدولة إلى الجهات إلى 12 مليار درهم.. تمويل إضافي يطرح سؤال الاستقلال المالي والعدالة المجالية

تتجه الحكومة إلى رفع التحويلات المالية الموجهة إلى الجهات الاثنتي عشرة بالمملكة إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من سنة 2027، مقابل سقف سابق لم يكن يتجاوز 10 مليارات درهم، في خطوة تندرج ضمن مراجعة الإطار القانوني المنظم للجهات، وتستهدف تعزيز مساهمتها في تمويل برامج التنمية الترابية. غير أن هذه الزيادة، التي تبلغ ملياري درهم، تفتح في الوقت نفسه نقاشا حول مدى قدرة الجهات على امتلاك موارد مالية مستقلة، وحول حقيقة الدور الذي يضطلع به صندوق التضامن بين الجهات في تقليص الفوارق التنموية.
ويترجم مشروع قانون المالية لسنة 2027 هذا التوجه من خلال تخصيص 10.8 مليارات درهم للصندوق الخاص بحصيلة حصص الضرائب الموجهة إلى الجهات، مقابل 9 مليارات درهم خلال السنوات الأخيرة، ورفع الاعتمادات المرصودة لصندوق التضامن بين الجهات إلى 1.2 مليار درهم، عوض مليار درهم. وبذلك يرتفع مجموع المخصصات المبرمجة في الحسابين إلى 12 مليار درهم، انسجاما مع مقتضيات القانون التنظيمي رقم 031.26 المعدل للقانون التنظيمي المتعلق بالجهات، الذي نشر في الجريدة الرسمية خلال غشت الماضي.
وتستند هذه المراجعة إلى إعادة تنظيم الموارد المالية للجهات، التي تعتمد منذ إطلاق ورش الجهوية المتقدمة سنة 2015 بدرجة كبيرة على التحويلات القادمة من الدولة، بدل موارد ذاتية تتيح لها هامشا أوسع في تحديد أولويات الإنفاق وبرمجة المشاريع. وتشمل الموارد المخصصة لها حصصا من الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على عقود التأمين، إلى جانب مساهمات من الميزانية العامة للدولة.
وبموجب الإطار القانوني الجديد، يستمر تخصيص خمسة في المائة من حصيلة الضريبة على الشركات، وخمسة في المائة من حصيلة الضريبة على الدخل، وعشرين في المائة من حصيلة الضريبة على عقود التأمين لفائدة الجهات، مع التنصيص على ألا يقل مجموع التحويلات المالية السنوية الموجهة إليها عن 12 مليار درهم ابتداء من السنة المالية 2027. ويعني ذلك أن الإصلاح لا يقتصر على زيادة ظرفية في الاعتمادات، بل يضع حدا أدنى للتمويل العمومي المخصص للجهات، بما يفترض أن يوفر لها قدرا أكبر من الاستقرار في إعداد ميزانياتها وبرامجها التنموية.
لكن الأرقام تكشف أن ارتفاع التحويلات لا يعني بالضرورة تعزيز الاستقلال المالي للجهات. فالموارد الذاتية لا تزال محدودة، إذ تتراوح مساهمتها في تغطية النفقات الجهوية، بحسب دراسة استندت إلى بيانات الخزينة العامة للمملكة للفترة الممتدة بين 2017 و2023، بين 6.7 في المائة و31.4 في المائة، حسب كل جهة. وفي بعض الحالات، تتجاوز التحويلات القادمة من الدولة مجموع النفقات السنوية للجهة، وهو ما يعكس استمرار ارتباط قدرتها على الاستثمار والإنفاق بالقرارات المالية المركزية.
ويبرز هذا المعطى إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه الجهوية المتقدمة: فرفع الاعتمادات المرصودة للمجالس الجهوية يوسع إمكاناتها المالية، لكنه لا يعالج بمفرده محدودية مواردها الذاتية، ولا يمنحها بالضرورة سلطة أوسع في تحديد مصادر التمويل أو التحكم في الوعاء الضريبي ومعدلات الضرائب التي تستفيد من حصصها. ومن ثم، فإن تعزيز الاستقلال المالي يظل مرتبطا أيضا بتطوير موارد مستدامة، وتوضيح توزيع الاختصاصات بين الدولة والجهات، وربط نقل المسؤوليات بنقل الموارد البشرية والمالية الضرورية لتنفيذها.
وتتضح أهمية هذا النقاش أكثر عند التوقف عند صندوق التضامن بين الجهات، الذي أنشئ بموجب الفصل 142 من الدستور بهدف تقليص الفوارق المجالية ومساعدة الجهات الأقل استفادة من فرص التنمية. فمن المفترض أن يشكل هذا الصندوق آلية لإعادة توزيع الموارد وفق مؤشرات تشمل مستوى التنمية البشرية، والناتج الداخلي للفرد، والبطالة، وحجم السكان القرويين، بما يسمح بتوجيه الدعم نحو المجالات التي تواجه خصاصا أكبر في البنيات الأساسية والخدمات وفرص الاستثمار.
غير أن حصيلة تنفيذ الصندوق تطرح تساؤلات بشأن مدى تحقق هذه الغاية. فقد تراجعت نفقاته من نحو مليار و10 ملايين درهم سنة 2023 إلى 815 مليون درهم سنة 2024، ثم إلى 521 مليون درهم سنة 2025. وخلال السنة الأخيرة، وُجهت 500 مليون درهم أساسا إلى المساهمة في تمويل تعميم الحماية الاجتماعية، بدل توجيهها إلى مشاريع جهوية تستهدف تقليص الفوارق التنموية.
واستمر هذا التوجه خلال سنة 2026، إذ جرى تخصيص 500 مليون درهم من الصندوق لتمويل الحماية الاجتماعية، إضافة إلى 500 مليون درهم لمساعدة المتضررين من الفيضانات التي عرفتها مناطق بالشمال والغرب. وفي المقابل، لم يتضمن التقرير المتعلق بالحسابات الخاصة للخزينة مشاريع جهوية ممولة من الصندوق خلال سنتي 2025 و2026 تحت بند تقليص الفوارق المجالية.
ويثير هذا الوضع مفارقة واضحة: فالصندوق الذي يفترض أن يشكل أداة للتضامن بين الجهات وتوجيه الموارد إلى المناطق الأقل حظا، أصبح يساهم في تمويل التزامات وطنية أخرى، من بينها الحماية الاجتماعية والتدخلات المرتبطة بالكوارث. ورغم أهمية هذه الأولويات، فإن استمرار الاعتماد على موارد الصندوق لتغطيتها يطرح سؤالا حول مدى الحفاظ على وظيفته الأصلية، وحول ما إذا كانت المخصصات المرصودة له تتحول فعليا إلى مشاريع تقلص التفاوتات بين المجالات الترابية.
ولا تتوقف الفوارق عند حجم الاعتمادات الإجمالي، بل تظهر بصورة أكثر وضوحا عند احتساب المبالغ المخصصة لكل مواطن. فوفق معطيات سنة 2026، بلغت حصة جهة الدار البيضاء سطات نحو 1.17 مليار درهم، أي ما يعادل قرابة 13 في المائة من الغلاف المالي المعني، رغم أن الجهة تضم حوالي 21 في المائة من سكان المملكة. وفي المقابل، حصلت جهة كلميم واد نون على نحو 454 مليون درهم.
وتعتمد آلية توزيع الموارد بين الجهات على معايير أقرّت سنة 2015، تقوم على توزيع نصف الغلاف المالي بالتساوي بين الجهات، وتخصيص 37.5 في المائة وفق عدد السكان، و12.5 في المائة بحسب المساحة. ويهدف هذا النموذج إلى الحد من الفوارق في المبالغ الإجمالية الممنوحة، لكنه يؤدي عند احتساب نصيب الفرد إلى تفاوتات كبيرة بين الجهات ذات الكثافة السكانية المرتفعة والجهات الأقل سكانا.
ففي سنة 2026، بلغ نصيب الفرد في جهة الدار البيضاء سطات نحو 152 درهما، مقابل حوالي 175 درهما بجهة الرباط سلا القنيطرة و185 درهما بجهة مراكش آسفي، بينما وصل إلى قرابة 2510 دراهم بجهة الداخلة وادي الذهب، ونحو 1300 درهم بجهة العيون الساقية الحمراء، وحوالي 1010 دراهم بجهة كلميم واد نون. وتكشف هذه الأرقام عن تفاوتات واسعة في نصيب الفرد من الموارد الموزعة، مع ضرورة أخذ اختلاف الحاجيات المجالية والكلفة المرتبطة بتوفير الخدمات والبنيات الأساسية بعين الاعتبار عند تقييم عدالة التوزيع.
وتأتي الزيادة المالية الجديدة أيضا في سياق توجه حكومي نحو إشراك الجهات في تمويل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي يرتقب أن تبلغ كلفتها الإجمالية نحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات. ويتضمن مشروع ميزانية 2027 اعتمادات بقيمة 25 مليار درهم لهذه البرامج، تشمل 10 مليارات درهم مرصودة للسنة نفسها، مع السماح بالالتزام المسبق بما يصل إلى 15 مليار درهم إضافية على اعتمادات سنة 2028.
وتراهن الحكومة على مساهمة الجماعات الترابية، وفي مقدمتها الجهات، في تمويل هذه البرامج التي يجري إعدادها على المستوى الإقليمي، وتجميعها جهويا، قبل المصادقة عليها وطنيا. غير أن هذا التوجه يطرح سؤالا بشأن طبيعة العلاقة بين الزيادة في التحويلات المالية وتوسيع قدرة المجالس الجهوية على تقرير أولوياتها؛ إذ إن رفع الموارد الموجهة إليها قد يتحول عمليا إلى وسيلة لتعبئة مساهماتها في برامج محددة على المستوى الوطني، إذا لم يقترن بضمانات واضحة بشأن دورها في تحديد المشاريع وترتيب الأولويات وتقييم النتائج.
وكان الملك محمد السادس قد دعا، في خطابه أمام البرلمان يوم 9 أكتوبر، إلى النقل الفعلي للموارد البشرية والمالية إلى الجهات، بما يجعل هذا الورش مرتبطا ليس فقط بحجم الاعتمادات، بل كذلك بمدى تمكين المؤسسات المنتخبة من الوسائل اللازمة لممارسة اختصاصاتها وتحمل مسؤولياتها. فالتنمية الترابية لا تقاس بمجموع الأموال التي تمر عبر الميزانيات، وإنما بقدرة هذه الأموال على الاستجابة لحاجيات السكان وتحسين الخدمات وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق القروية.
ويفرض هذا السياق على المرحلة المقبلة تعزيز الشفافية في توزيع التحويلات، ونشر المعايير المعتمدة لتحديد حصص الجهات، وتوضيح كيفية استعمال أموال صندوق التضامن، مع تقييم دوري للأثر التنموي للمشاريع الممولة. كما تبرز الحاجة إلى التمييز بين المبالغ المرصودة قانونيا، والنفقات التي جرى تنفيذها فعليا، والنتائج المحققة على أرض الواقع، حتى لا تتحول الزيادة في الاعتمادات إلى مؤشر مالي منفصل عن واقع التنمية.
وبين رفع التحويلات إلى 12 مليار درهم واستمرار الاعتماد الكبير على موارد الدولة، يبقى التحدي الحقيقي أمام الجهوية المتقدمة هو الانتقال من تمويل مركزي يوزع على الجهات إلى نموذج يمنحها قدرة فعلية على تعبئة الموارد، وتحديد الأولويات، وتنفيذ المشاريع ومراقبة نتائجها. أما صندوق التضامن بين الجهات، فلن يحقق الغاية الدستورية التي أُحدث من أجلها ما لم تصبح معالجة الفوارق المجالية هدفه العملي الأول، وتترجم موارده إلى مشاريع ملموسة في المناطق التي تحتاج إلى الاستثمار والخدمات وفرص التنمية.






