مكناس.. نقص أطباء الإنعاش وتعثر العمليات الجراحية يعيدان مستشفى محمد الخامس إلى واجهة المساءلة

عاد الوضع الصحي بمدينة مكناس إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل معطيات متداولة بشأن الخصاص في الأطر الطبية المتخصصة بمستشفى محمد الخامس، وما يرافقه من صعوبات في ضمان استمرارية الخدمات الجراحية، وسط مطالب متزايدة بتدخل الجهات الصحية المختصة لتوضيح حقيقة الوضع واتخاذ إجراءات عملية تضمن حق المواطنين في العلاج.
وتفجّر النقاش مجددا ، خلال لقاء حزبي بالمدينة، تحدث فيها عن وجود طبيب واحد للإنعاش والتخدير يخدم، بحسب قوله، ساكنة تقارب مليون نسمة، إلى جانب توقف بلوك العمليات الجراحية بالمستشفى منذ ثمانية أشهر. واعتبر المتحدث أن هذه الوضعية تدفع عددا من المرضى إلى التوجه نحو مدينة فاس بحثا عن خدمات علاجية لا يجدونها محليا.
وتقاطعت هذه التصريحات مع معطيات أوردتها تقارير صحفية محلية، تحدثت بدورها عن استمرار الخصاص في بعض التخصصات الطبية الحيوية، من بينها الإنعاش والتخدير والقلب والأشعة، وعن صعوبات تواجه المركب الجراحي المركزي. غير أن تحديد الحجم الفعلي لهذا الخصاص، ومدى توقف العمليات الجراحية بشكل كلي أو جزئي، يظل رهينا بتوضيحات رسمية من إدارة المستشفى والجهات الصحية المشرفة عليه، خصوصا في ظل غياب حصيلة محينة ومفصلة منشورة بشأن عدد الأطباء العاملين فعليا وتوزيعهم على المصالح.
ولا تبدو الأزمة المطروحة وليدة اللحظة؛ فقد سبق أن كشفت معطيات رسمية مرتبطة بجواب لوزارة الصحة عن سؤال برلماني، خلال سنة 2025، عن تراجع عدد العمليات الجراحية بمستشفيات مكناس خلال السنوات السابقة. وانخفض مجموع العمليات الجراحية المسجلة من 2564 عملية سنة 2022 إلى 2069 سنة 2023، ثم إلى 1870 عملية سنة 2024، فيما تراجعت العمليات الجراحية الاستعجالية من 2362 عملية سنة 2022 إلى 1758 سنة 2023، ثم إلى 1184 سنة 2024. وتعكس هذه الأرقام مسارا يستدعي التفسير والتدقيق، مع ضرورة التمييز بين مجموع العمليات المنجزة بمستشفيات المدينة وبين النشاط الخاص بمستشفى محمد الخامس وحده.
وتكتسي هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي يضطلع به المستشفى في استقبال المرضى من مكناس ومحيطها، وما يفرضه ذلك من حاجة إلى موارد بشرية قادرة على تأمين الاستشارات والتدخلات الاستعجالية والعمليات المبرمجة. فالإنعاش والتخدير ليسا مجرد تخصصين مكملين للعمل الجراحي، بل يشكلان شرطا أساسيا لإجراء عدد كبير من العمليات وضمان سلامة المرضى قبل التدخلات الطبية وأثناءها وبعدها.
وفي حال استمرار الخصاص في هذه التخصصات، فإن تداعياته لا تتوقف عند تقليص عدد العمليات، بل قد تمتد إلى تأجيل تدخلات مبرمجة، وزيادة الضغط على المؤسسات الاستشفائية المجاورة، وتحميل المرضى وأسرهم أعباء إضافية مرتبطة بالتنقل وتكاليف العلاج. كما أن اضطرار المواطنين إلى البحث عن خدمات صحية خارج مدينتهم يطرح سؤال التوازن في توزيع الموارد الطبية بين أقاليم الجهة، ومدى قدرة العرض الصحي المحلي على الاستجابة لحاجيات السكان.
وتضع هذه المعطيات المجموعة الصحية الترابية المختصة والوزارة الوصية أمام مسؤولية تقديم صورة دقيقة عن الوضع، تشمل العدد الفعلي لأطباء الإنعاش والتخدير، ومناصب العمل الشاغرة، والعمليات التي توقفت أو تقلصت، والأسباب التي حالت دون استئناف النشاط الجراحي بصورة طبيعية. كما تبرز الحاجة إلى توضيح التدابير المتخذة لتغطية الخصاص، سواء عبر إعادة توزيع الموارد البشرية أو التوظيف أو التعاقد أو غيرها من الحلول القانونية المتاحة.
ولا يقتصر التحدي على معالجة النقص الآني، بل يشمل وضع خطة تضمن استقرار الخدمات الصحية على المدى المتوسط، وتفادي ارتباط تشغيل المصالح الحيوية بتوفر عدد محدود من المتخصصين. فالحلول المؤقتة قد تخفف الضغط في مرحلة معينة، لكنها لا تعوض سياسة واضحة لتأمين الموارد البشرية وتوزيعها وفق حاجيات المؤسسات وعدد المرضى الذين تستقبلهم.
وفي انتظار صدور توضيحات رسمية بشأن ما أثير حول مستشفى محمد الخامس، يبقى السؤال المطروح في مكناس هو مدى قدرة المنظومة الصحية على تحويل الالتزامات المعلنة بتقريب العلاج من المواطنين إلى خدمات فعلية ومستقرة. فانتظارات الساكنة لا تتعلق فقط بتوفير البنايات والتجهيزات، بل بضمان وجود الأطر المؤهلة داخلها، واستمرار العمليات الجراحية، وتمكين المرضى من العلاج في آجال معقولة، دون اضطرارهم إلى قطع مسافات إضافية بحثا عن خدمة صحية أساسية.






