قضايا

استئنافية فاس تلغي إدانة القيادي في حزب العدالة و التنمية حامي الدين في قضية آيت الجيد وتسقط الدعوى العمومية لسبقية البت

أسدلت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بفاس، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، الستار على المرحلة الاستئنافية من محاكمة عبد العالي حامي الدين، القيادي بحزب العدالة والتنمية، بإلغاء الحكم الابتدائي القاضي بسجنه ثلاث سنوات نافذة في القضية المرتبطة بمقتل الطالب اليساري محمد بنعيسى آيت الجيد، التي تعود وقائعها إلى سنة 1993، مع التصريح بسقوط الدعوى العمومية لسبقية البت في القضية، وعدم الاختصاص في الطلبات المدنية.

ويشكل هذا القرار منعطفا بارزا في واحد من أكثر الملفات القضائية إثارة للجدل بالمغرب، بالنظر إلى امتداد مساره لأكثر من ثلاثة عقود، وتقاطعه مع النقاشات القانونية والحقوقية والسياسية المرتبطة بأحداث العنف التي شهدتها الجامعة المغربية خلال تسعينيات القرن الماضي، فضلا عن الجدل الذي رافق إعادة تحريك المتابعة في مواجهة حامي الدين بعد سنوات من صدور حكم قضائي سابق بشأن الوقائع المرتبطة بالقضية.

وجاء القرار الاستئنافي مخالفا للحكم الصادر عن غرفة الجنايات الابتدائية بالمحكمة نفسها في 11 يوليوز 2023، حين أدانت حامي الدين بثلاث سنوات حبسا نافذا، بعد إعادة تكييف الأفعال المنسوبة إليه إلى المشاركة في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه، كما قضت بأدائه تعويضا مدنيا قدره 20 ألف درهم لفائدة كل واحد من المطالبين بالحق المدني.

وكان دفاع حامي الدين قد جعل من الدفع بسبقية البت محور مرافعته خلال المرحلة الاستئنافية، مستندا إلى أن موكله سبق أن حوكم سنة 1994 على خلفية الوقائع المرتبطة بأحداث سنة 1993، معتبرا أن إعادة متابعته بشأن الأفعال نفسها تطرح إشكالا قانونيا يتصل بمبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الوقائع ذاتها. وقد انتهت المحكمة إلى التصريح بسقوط الدعوى العمومية لسبقية البت، وهو ما ترتب عنه إلغاء الإدانة الابتدائية والعقوبة الحبسية الصادرة في حقه.

في المقابل، ظل دفاع عائلة آيت الجيد متمسكا بموقفه الرافض لهذا الدفع، معتبرا أن المتابعة التي أعيد فتحها سنة 2017 تستند إلى معطيات وإفادات رأى أنها تبرر إعادة عرض الملف على القضاء. وبذلك، لم يكن الخلاف خلال المحاكمة مقتصرا على تحديد المسؤوليات المرتبطة بالوقائع الأصلية، بل شمل أيضا حدود حجية الأحكام السابقة ومدى جواز إعادة تحريك الدعوى العمومية في ضوء المعطيات التي قدمها كل طرف.

وسبق صدور القرار جلسة مطولة انعقدت يوم 15 أكتوبر الجاري، واستمرت نحو 11 ساعة، استمعت خلالها الهيئة القضائية إلى مرافعات دفاع المتهم ودفاع المطالبين بالحق المدني، قبل منح حامي الدين الكلمة الأخيرة، ثم تمديد المداولة إلى يوم الخميس 22 أكتوبر، موعد النطق بالقرار.

وتعود جذور القضية إلى 25 فبراير 1993، حين شهد محيط المركب الجامعي ظهر المهراز بمدينة فاس مواجهات طلابية انتهت بإصابة الطالب محمد بنعيسى آيت الجيد إصابات خطيرة، توفي متأثرا بها. وفي أبريل 1994، صدر حكم قضائي سابق في حق حامي الدين على خلفية الأحداث المرتبطة بالملف، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة سنة 2017، عقب تقدم عائلة الضحية بشكاية جديدة، استندت ضمن معطياتها إلى إفادة أحد الأشخاص الذين كانوا برفقة آيت الجيد خلال الواقعة.

ومنذ إعادة فتح الملف، ظل النزاع يثير نقاشا واسعا حول العلاقة بين حق عائلة الضحية في المطالبة بكشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات القانونية، وبين الضمانات القضائية التي تحمي الأفراد من تكرار المحاكمة بشأن الوقائع نفسها بعد صدور أحكام سابقة. وقد اكتسب هذا النقاش بعدا إضافيا بالنظر إلى الموقع السياسي لحامي الدين، وإلى الرمزية التي تحملها القضية لدى أطراف طلابية وحقوقية وسياسية مختلفة.

وبإلغاء الحكم الابتدائي والتصريح بسقوط الدعوى العمومية لسبقية البت، تكون غرفة الجنايات الاستئنافية قد حسمت المرحلة الاستئنافية من الملف وفق الأساس القانوني الذي اعتمدته في قرارها، فيما يظل من الضروري التمييز بين هذا المآل القضائي وبين إصدار حكم جديد في موضوع الوقائع الأصلية؛ فالقرار المعلن يستند إلى سبقية البت، ولا ينبغي اختزاله في القول إن المحكمة أعادت محاكمة الوقائع ثم خلصت إلى نفي حدوثها.

كما قضت المحكمة بعدم الاختصاص في الطلبات المدنية، وهو ما أنهى نظرها في تلك المطالب ضمن هذه المرحلة، بعدما كان الحكم الابتدائي قد أقر تعويضات لفائدة المطالبين بالحق المدني. ويعكس هذا الجانب بدوره أهمية التمييز بين المآل الجنائي للدعوى وبين المسار القانوني للمطالب المدنية، وفقا لما يحدده منطوق القرار وآثاره.

وبين حكم ابتدائي قضى بثلاث سنوات حبسا نافذا وقرار استئنافي ألغى تلك الإدانة بسبب سبقية البت، يطوي ملف آيت الجيد فصلا جديدا من مسار قضائي طويل، ظل حاضرا في الذاكرة السياسية والحقوقية المغربية. غير أن صدور القرار لا يمحو الأسئلة التي رافقت القضية منذ بدايتها، ولا يلغي حساسية النقاش بشأن الذاكرة الطلابية والعدالة وحقوق الأطراف، بل يعيد التأكيد على الدور الحاسم للقواعد الإجرائية والضمانات القانونية في تحديد مآلات القضايا التي تمتد عبر عقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى