مصطفى بايتاس يغادر الحكومة حاملا إرث مرحلة مثيرة للجدل.. هل يتحول الناطق السابق باسمها إلى عبء ثقيل على التجمع الوطني للأحرار؟

لم تكن مغادرة مصطفى بايتاس للحكومة نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد من الأسئلة السياسية التي تلاحق أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بتجربة عزيز أخنوش الحكومية. فالرجل الذي قضى سنوات في الدفاع عن اختيارات الأغلبية وتبرير قراراتها يجد نفسه اليوم أمام امتحان مختلف، بعدما انتقل إلى موقع النائب الأول لرئيس مجلس النواب، في وقت يحتاج فيه التجمع الوطني للأحرار إلى مراجعة تجربته وإعادة ترتيب بيته الداخلي، بدل الاكتفاء بتغيير الكراسي وتدوير الوجوه نفسها.
لقد اعتاد بايتاس الوقوف أمام وسائل الإعلام مدافعا عن الحكومة، لكن الدفاع عن الحصيلة لا يعني بالضرورة إقناع المغاربة بها. فهناك فرق شاسع بين تكرار الأرقام والوعود وبين تقديم أجوبة مقنعة عن واقع القدرة الشرائية، وفرص الشغل، والخدمات الصحية، والتعليم، والانتظارات الاجتماعية التي ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي. واليوم، بعدما غادر موقع الناطق الرسمي باسم الحكومة، يحق للرأي العام أن يسأل: ماذا بقي من ذلك الخطاب؟ وهل يستطيع صاحبه تقديم مراجعة سياسية صريحة، أم أن تغيير المنصب سيظل مجرد انتقال من واجهة إلى أخرى؟
بايتاس الذي كان في قلب ماكينة التواصل الحكومي لم يكن مجرد شاهد على المرحلة، بل كان أحد أبرز المدافعين عنها. ولذلك فإن مسؤوليته السياسية لا تختفي بمجرد مغادرة الوزارة، ولا يمكنه التعامل مع نهاية مهمته الحكومية باعتبارها صفحة طويت من دون حساب. فمن اختار الدفاع عن الحصيلة يتحمل تبعاتها السياسية، ومن جعل من نفسه واجهة لها لا يستطيع التنصل من الأسئلة التي تطرحها نتائجها.
الأخطر أن يتحول هذا الانتقال إلى وسيلة للحفاظ على النفوذ، في وقت يحتاج فيه الحزب إلى مراجعة عميقة لخطابه وأدائه وعلاقته بالمواطنين. فهل أصبح الهدف هو خدمة مشروع سياسي واضح، أم أن الصراع على المواقع بات يحتل مساحة أكبر من النقاش بشأن البرامج والنتائج؟ ذلك سؤال مشروع يفرض نفسه على قيادة التجمع الوطني للأحرار، وعلى كل من يريد الاستمرار في الصفوف الأمامية.
ملفات المصالح والصفقات.. أسئلة لا ينبغي أن تختفي خلف المناصب
من بين القضايا التي تستحق نقاشا سياسيا جادا ما يثار بشأن العلاقة بين المسؤولية العمومية والمصالح الاقتصادية، ولا سيما في القطاعات التي ترتبط بالصفقات العمومية والخدمات المقدمة للإدارات والمؤسسات. وقد تداولت أوساط سياسية وإعلامية تساؤلات بشأن شركات تنشط في مجال الحراسة وأخرى مرتبطة بتصبير السمك، وما يثار حول علاقات محتملة بينها وبين بعض الفاعلين السياسيين.
إن جوهر القضية ليس إطلاق الاتهامات، بل طرح سؤال الشفافية: هل توجد مصالح اقتصادية متقاطعة مع المسؤوليات العمومية؟ وهل خضعت أي علاقات محتملة للقواعد القانونية المنظمة لتضارب المصالح؟ ومن حق الرأي العام أن يحصل على توضيحات دقيقة بشأن هذه الأسئلة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصية تولت مسؤولية حكومية وشاركت في الدفاع عن سياسات الدولة وتدبير مؤسساتها.
إن شعار الشفافية لا يمكن أن يكون انتقائيا، ولا يجوز أن يرفع في مواجهة الخصوم ثم يتحول إلى موضوع حساس عندما يتعلق الأمر بأبناء الحزب أو المقربين من دوائر القرار. فالمسؤولية العمومية تقتضي وضوحا كاملا بشأن المصالح ذات الصلة، وتقتضي أيضا أن تكون القواعد نفسها مطبقة على الجميع، بعيدا عن الحماية الحزبية أو الحسابات السياسية.
وإذا كان بايتاس يريد مواصلة حضوره في واجهة المشهد، فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه هو التعامل بوضوح مع كل سؤال جدي يتعلق بالشفافية والمصلحة العامة. فالمناصب لا تمنح حصانة من النقد، والانتقال إلى البرلمان لا يمحو الأسئلة التي أثيرت خلال سنوات المسؤولية الحكومية.
من الدفاع عن أخنوش إلى اختبار القيادة الجديدة
ارتبط اسم بايتاس لسنوات بالتجربة الحكومية التي قادها عزيز أخنوش، وكان من الوجوه التي تولت الدفاع عنها في مواجهة الانتقادات. لكن المرحلة تغيرت، والقيادة الحزبية تغيرت، ولم يعد ممكنا الاستمرار بالمنطق نفسه وكأن شيئا لم يحدث.
فبعد انتقال رئاسة التجمع الوطني للأحرار إلى محمد شوكي، يجد الحزب نفسه أمام ضرورة تحديد طبيعة المرحلة الجديدة، وتوزيع المسؤوليات، ومراجعة أسباب التراجع الانتخابي مقارنة باستحقاقات سنة 2021. وفي هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى استمرار الوجوه التي ارتبطت بتسويق المرحلة السابقة في مواقع متقدمة، من دون مراجعة واضحة للخطاب والأداء.
إن الحزب الذي يطمح إلى قيادة الحكومة مجددا لا يمكنه أن يكتفي بإعادة ترتيب المواقع، بل يحتاج إلى تجديد سياسي حقيقي، وإلى وجوه تستطيع التواصل مع المواطنين بلغة مختلفة، وإلى قيادة تقبل النقد الداخلي ولا تعتبر كل مساءلة تهديدا لمراكز النفوذ.
أما إذا تحولت المرحلة الجديدة إلى سباق على المناصب وتثبيت المواقع، فإن الحزب يخاطر بتأجيل الأسئلة الحقيقية بدل الإجابة عنها. فالمشكلة ليست في شخص واحد، وإنما في عقلية سياسية قد تجعل الحفاظ على النفوذ أهم من مراجعة الحصيلة.
هل يسرع بايتاس نحو أزمة داخلية؟
إن انتقال بايتاس إلى مكتب مجلس النواب يمنحه موقعا مؤسساتيا، لكنه لا يحسم مستقبله داخل الحزب ولا يضمن له موقعا متقدما في أي سباق قيادي مقبل. فالمواقع البرلمانية والحزبية قد تتقاطع مع الطموحات الشخصية، لكن نجاح السياسي يظل مرتبطا بما يقدمه من عمل ونتائج، لا بمجرد قربه من مراكز القرار.
وإذا لم ينجح بايتاس في الانتقال من صورة المدافع عن الحكومة السابقة إلى صورة الفاعل القادر على المراجعة والتجديد، فقد يجد نفسه أمام صعوبة في إقناع جزء من الرأي العام بجدوى استمرار حضوره في الواجهة. كما أن أي تنافس داخلي حول توزيع المسؤوليات قد يزيد التوتر إذا لم تحسم القيادة الجديدة قواعد المرحلة بوضوح.
ولا يحتاج التجمع الوطني للأحرار إلى صراعات جانبية تستنزف طاقته، بل إلى مصارحة داخلية بشأن حصيلته، وإلى تحديد المسؤوليات، وإلى تجديد الثقة بين قيادته وقواعده. أما تحويل الاختلافات إلى معارك نفوذ، فإنه لن يخدم الحزب ولا قياداته، وقد يجعل أزمة المراجعة أكثر تعقيدا.
بايتاس أمام امتحان لا تحسمه المناصب
إن مغادرة الحكومة لا تعني مغادرة دائرة المساءلة السياسية. فبايتاس مطالب، مثل غيره ممن تحملوا المسؤولية، بأن يوضح ما تحقق خلال المرحلة السابقة، وأن يتعامل مع الانتقادات بجدية، وأن يثبت أن موقعه الجديد ليس مجرد محطة أخرى في مسار الحفاظ على النفوذ.
أما التجمع الوطني للأحرار، فعليه أن يقرر ما إذا كان يريد فعلا فتح صفحة جديدة، أم الاكتفاء بإعادة توزيع المواقع بين الوجوه نفسها. فالتجديد لا يتحقق بالشعارات، ولا بتغيير رئيس الحزب وحده، بل بمراجعة السياسات والخطاب وطريقة تدبير العلاقة مع المواطنين.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يواجه بايتاس ليس عدد المناصب التي شغلها، ولا الموقع الذي انتقل إليه، بل ما إذا كان قادرا على تقديم قيمة سياسية جديدة تتجاوز إرث المرحلة الحكومية السابقة. فالمغاربة لا يحتاجون إلى مسؤول ينتقل من كرسي إلى آخر، وإنما إلى مسؤول يقدم أجوبة واضحة عن حصيلته، ويتحمل مسؤولية مواقفه، ويقبل أن تكون الشفافية والمحاسبة معيارين لا يستثنيان أحدا.
وإذا أراد بايتاس أن يثبت أن مستقبله السياسي أكبر من مجرد الدفاع عن مرحلة انتهت، فعليه أن يقدم ما يقنع الرأي العام بذلك. أما الاكتفاء بالحضور المؤسساتي، في وقت يحتاج فيه حزبه إلى مراجعة عميقة، فلن يحسم الأسئلة المطروحة، بل سيتركها مفتوحة أمام مزيد من النقد والمساءلة.






