إعفاء مديحة خيير بعد يومين من تعيينها.. أول اختبار سياسي لحكومة المنصوري وأسئلة محرجة حول مسؤولية الأحزاب وآليات التحقق

لم يكن إعفاء مديحة خيير من منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل مجرد تعديل عابر في تشكيلة حكومية لم يمض على تعيينها سوى يومين، بل تحول إلى قضية سياسية ومؤسساتية أثارت أسئلة محرجة حول طريقة اختيار الوزراء، ومدى التدقيق في ملفات المرشحين، وحدود المسؤولية التي تتحملها الأحزاب ورئاسة الحكومة قبل تقديم الأسماء للتعيين الملكي.
فبعد تعيين أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، جاء القرار يوم الأحد 18 أكتوبر، حين أعلن بلاغ الديوان الملكي موافقة الملك محمد السادس على طلب رئيسة الحكومة إنهاء مهام مديحة خيير، الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، استنادا إلى الفصل السابع والأربعين من الدستور.
وبذلك انتهت تجربة خيير الحكومية قبل أن تبدأ فعليا، وقبل أن تنال الحكومة الجديدة تنصيب البرلمان، في واقعة استثنائية تضع مسألة تدبير التعيينات الحكومية تحت مجهر المساءلة السياسية والإدارية.
ملف قضائي يربك بداية الحكومة
بدأ الجدل عقب تداول معطيات ووثائق مرتبطة بملف قضائي قديم، بالتزامن مع الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة. وربطت تغطيات إعلامية تلك المعطيات بقضية تعود إلى سنة 2004، فيما أثيرت أيضا وثيقة طبية قديمة منسوبة إلى الوزيرة المعفاة.
غير أن التعامل المهني مع هذه القضية يقتضي التمييز بين ما جرى تداوله في الفضاء العام، وما أكدته الجهات الرسمية، وما لم تتضح تفاصيله القانونية كاملة. فالمعطيات المنشورة لا تتيح تقديم رواية نهائية جامعة بشأن طبيعة الأحكام القضائية المعنية ووضعيتها القانونية، كما أن تداول وثيقة طبية لا يبرر تحويل المعطيات الشخصية أو الصحية إلى مادة للتشهير أو إصدار أحكام مسبقة.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر صحفية بأن طلب الإعفاء ارتبط بأحكام قضائية، وليس بالشهادة الطبية التي جرى تداولها، من دون نشر تفاصيل رسمية كاملة عن تلك الأحكام. وهذه نقطة أساسية، لأن المسؤولية السياسية في تدبير التعيينات ينبغي أن تستند إلى معطيات موثقة وواضحة، لا إلى الشائعات أو الاستنتاجات المتسرعة.
رئاسة الحكومة والأغلبية أمام سؤال المسؤولية
أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة، سمير بلفقيه، أن التعامل مع القضية جاء بناء على تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية الحكومية، وأن رئيسة الحكومة تقدمت بطلب الإعفاء بعد تداول المعطيات المرتبطة بالملف.
وفي المقابل، نقلت مصادر صحفية أن فاطمة الزهراء المنصوري ونزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال الذي تنتمي إليه خيير، لم يكونا على علم مسبق بتفاصيل الملف القضائي. وإذا صح هذا المعطى، فإنه لا ينهي النقاش، بل يفتح سؤالا أكثر إلحاحا: كيف وصل اسم مرشحة إلى منصب حكومي بهذه الأهمية من دون أن تكون كل المعطيات ذات الصلة قد خضعت للتحقق قبل إعلان التعيين؟
المسألة هنا لا تتعلق فقط بوزيرة أعفيت من مهامها، بل بمدى نجاعة منظومة الاختيار والتدقيق. فالمناصب الحكومية ليست امتيازا حزبيا، وإنما مسؤولية عامة تتطلب الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل تبعات القرار السياسي. ومن الطبيعي أن يتساءل المواطنون عن الجهات التي اقترحت الاسم، وعن مستوى التحقق الذي سبق تقديمه، وعن الإجراءات التي ستمنع تكرار واقعة مماثلة.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز تحويل غياب المعلومات المؤكدة إلى اتهامات جزافية بحق أشخاص أو مؤسسات. المطلوب هو توضيح رسمي يحدد المسؤوليات، ويكشف أوجه الخلل إن ثبت وجودها، بدل الاكتفاء بتدبير الأزمة بعد انفجارها.
حزب الاستقلال أمام امتحان التزكية
تطرح القضية بدورها أسئلة على حزب الاستقلال، الذي تنتمي إليه خيير، بشأن معايير التزكية والاختيار. فالأحزاب التي تقدم مرشحيها للمناصب الحكومية مطالبة بأن تتوفر على آليات داخلية فعالة للتثبت من المسار المهني والسياسي والقانوني للأسماء المقترحة، بالقدر الذي يسمح به القانون ويحترم الحقوق الشخصية.
ولا يكفي أن يعلن الحزب تضامنه مع الحكومة أو أن يؤكد رغبته في إنجاح التجربة الحكومية؛ بل يتعين أن يوضح كيف جرى اقتراح الاسم، وما إجراءات التدقيق المعتمدة، وهل تمت مراجعة المعطيات الضرورية قبل التزكية، وما التدابير التي سيتخذها لتفادي تكرار مثل هذه الواقعة.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى أن خيير كانت قد تولت رئاسة الفريق النيابي لحزب الاستقلال بمجلس النواب في الثامن من أكتوبر، قبل تعيينها في الحكومة. وهذا المسار يجعل القضية أوسع من مجرد اختيار حقيبة وزارية، إذ يتعلق الأمر أيضا بآليات انتقاء القيادات التي تمنحها الأحزاب مواقع متقدمة في المؤسسات المنتخبة.
هل كان الإعفاء كافيا لاحتواء الأزمة؟
من الناحية الدستورية، جرى الإعفاء بناء على طلب رئيسة الحكومة وموافقة الملك، وفقا للفصل السابع والأربعين من الدستور. لكن سلامة المسطرة الدستورية لا تعني أن جميع الأسئلة السياسية والإدارية قد وجدت أجوبتها.
فالقرار السريع وضع حدا لاستمرار الجدل حول بقاء خيير في التشكيلة الحكومية، لكنه لم يحسم مسألة المسؤولية عن إدراج اسمها ضمن التشكيلة من البداية. كما أن تأكيد الأغلبية أن القرار مشترك لا يعفي مكوناتها من توضيح دور كل جهة في عملية الاختيار والتدقيق.
وإذا كانت الحكومة قد اختارت التحرك لتجنب انتقال الأزمة إلى مرحلة تنصيبها البرلماني، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون استخلاص الدروس المؤسسية. ويتطلب ذلك مراجعة مساطر الترشيح، وتحديد المسؤوليات داخل الأحزاب ورئاسة الحكومة، واعتماد آليات قانونية واضحة للتثبت من المعطيات ذات الصلة قبل الإعلان عن التعيينات.
كما أن القضية تثير نقاشا أوسع بشأن العلاقة بين الأهلية للترشح للانتخابات والأهلية لتحمل المسؤولية الحكومية، وهما مساران تحكمهما قواعد قانونية مختلفة. ولا يصح افتراض أن كل معطى قضائي يؤدي تلقائيا إلى المنع من تولي منصب عمومي، كما لا يصح تجاهل الأحكام ذات الصلة؛ إذ ينبغي الرجوع إلى طبيعة الحكم وآثاره القانونية ووضعية المعني به وفق القوانين الجاري بها العمل.
بداية مرتبكة ورسالة إلى الأحزاب
تكشف واقعة إعفاء مديحة خيير، بعد يومين فقط من تعيينها، عن هشاشة قد تصيب صورة الحكومة الجديدة في لحظة يفترض أن تنطلق فيها بثقة ووضوح. فالانطباع العام لا يتشكل فقط من البرامج المعلنة، بل أيضا من جودة الاختيارات ومدى استعداد المؤسسات لتحمل المسؤولية عندما تظهر معطيات تستدعي المراجعة.
لكن استعادة الثقة لا تتحقق بمجرد إنهاء مهام الوزيرة، ولا بإغلاق النقاش حول القضية، بل بتقديم توضيحات دقيقة بشأن ما جرى، وبالتحقق من أوجه القصور المحتملة، وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة والقانون. كما ينبغي احترام قرينة البراءة والخصوصية الشخصية، وعدم تحويل الملف إلى محاكمة إعلامية خارج المؤسسات المختصة.
وفي المحصلة، فإن السؤال الأهم ليس فقط لماذا أعفيت مديحة خيير، وإنما كيف أمكن أن تصل إلى منصب وزاري قبل استكمال التحقق من المعطيات التي أصبحت لاحقا محور أزمة سياسية. هذا هو الامتحان الحقيقي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري وللأحزاب المشاركة فيها: هل ستتعامل مع الواقعة باعتبارها حادثا عابرا جرى احتواؤه، أم ستجعل منها مناسبة لإصلاح آليات التزكية والتعيين وتعزيز ثقافة المسؤولية والمحاسبة؟
فالمواطنون لا ينتظرون قرارات سريعة عند وقوع الأزمات فحسب، بل ينتظرون مؤسسات تمنع أسبابها قبل وقوعها، وتوضح الحقائق عندما تتعقد الملفات، وتثبت أن تحمل المسؤولية يبدأ من لحظة اختيار المسؤول، لا من لحظة اضطرار الحكومة إلى إعفائه.






